*ما لا ندرك قيمته إلا بعد فقده*

*ما لا ندرك قيمته إلا بعد فقده*
*✒️ محمد عمر المرحبي*
ليست جميع القرارات التي نتخذها في حياتنا تنتهي إلى النتائج التي توقعناها فقد يقدم الإنسان على أمر يراه صائباً في لحظته ثم تكشف له الأيام جوانب لم تكن حاضرة في تفكيره فيعيد النظر فيما فعل وربما تمنى لو أنه تريث قليلاً قبل الإقدام عليه والمفارقة أن بعض الأخطاء لا تنشأ عن سوء القصد أو ضعف القدرة على الاختيار وإنما عن استعجال الحكم أو الانقياد لمشاعر عابرة تحجب عنا ما يستحق التأمل وحين تتضح الحقيقة قد نجد أن الفرصة التي كانت متاحة بالأمس لم تعد كذلك اليوم وأن إدراك الخطأ جاء متأخراً عن القدرة على إصلاحه
وفي تراث العرب قصة تحمل من المعاني ما يجعلها حاضرة في تجارب الناس رغم تعاقب الأزمنة فقد روي أن رجلاً عرف بالكسعي صنع قوساً من شجر النبع وأحسن إعدادها حتى أصبحت صالحة للصيد ثم خرج بها ذات ليلة فرمى خمسة من الضباء وكان كلما أطلق سهماً سمع صوت ارتطامه بالصخر فظن أنه أخطأ هدفه وتكرر الأمر حتى غلب عليه الغضب فكسر قوسه التي صنعها بيديه ثم تبين له بعد ذلك أن سهامه أصابت أهدافها جميعاً وأن ما حسبه إخفاقاً كان نجاحاً لم يدرك حقيقته في حينه
عندها أدرك فداحة ما صنع وأنه لم يخسر قوسه لعجز فيها وإنما لأنه استعجل الحكم قبل أن يتبين النتيجة فقال
ندمت ندامة لو أن نفسي
تطاوعني إذا لقتلت نفسي
تبين لي سفاه الرأي مني
لعمر أبيك حين كسرت قوسي
ومنذ ذلك الحين أصبحت ندامة الكسعي مثلاً تتناقله العرب في شدة الندم على ما يفعله الإنسان بيده حين لا يعود قادراً على إصلاح ما أفسده
ولم تكن هذه الندامة بعيدة عن تجربة الشاعر الفرزدق الذي طلق زوجته النوار وقد روي أنها ألحت عليه في طلب الطلاق فلما وقع الفراق واستشعر ما فقده من حياته معها استحضر قصة الكسعي فقال
ندمت ندامة الكسعي لما
غدت مني مطلقة نوار
وكانت جنتي فخرجت منها
كآدم حين لج به الضرار
وكنت كفاقئ عينيه عمداً
فأصبح ما يضيء له النهار
وإذا تأملنا القصتين وجدنا أن الكسعي كسر قوساً كانت تحقق له ما يريد وأن الفرزدق فارق امرأة كان يرى في قربها سعادته ثم جمعهما الندم على ما لم يعد في أيديهما غير أن الفارق بينهما أن الأول أخطأ في تقدير نتيجة عمله بينما كان الثاني أمام قرار إنساني تتداخل فيه المشاعر والظروف ولا تكفي أبيات الندم وحدها للحكم على جميع أسبابه
وهنا يبرز سؤال: يستحق التأمل لماذا نكون أحياناً أكثر قدرة على معرفة قيمة الأشياء بعد فقدها من قدرتنا على تقديرها وهي بين أيدينا؟
في حياتنا الاجتماعية صور تشبه ما جرى للكسعي والفرزدق وإن اختلفت التفاصيل فقد تنتهي صداقة امتدت أعواماً بسبب موقف كان يمكن تجاوزه أو تنقطع صلة بين قريبين لأن أحدهما فهم كلمة على غير مقصودها أو تتصدع حياة زوجية لأن الخلاف خرج من حدود المشكلة إلى محاولة كل طرف إثبات أنه الأقوى والأقدر على الاستغناء
وقد يحدث أن نسمع من أحدهم بعد سنوات قوله ليتني لم أتعجل أو ليتني استمعت إليه أو ليتني منحت الأمر فرصة أخرى وهذه العبارات البسيطة تكشف أحياناً عن سنوات من الندم لا لأن أصحابها كانوا عاجزين عن اتخاذ القرار بل لأنهم لم يمنحوا أنفسهم الوقت الكافي لفهم ما كانوا مقدمين عليه
ومن المفارقات أن الإنسان قد يصبر طويلاً على بناء علاقة ويقدم فيها من وقته ومشاعره وجهده ثم يسمح للحظة غضب بأن تهدم ما بناه خلال سنوات وقد ينسى في ساعة خلاف عشرات المواقف الجميلة فلا يرى أمامه إلا الخطأ الأخير وكأن تاريخ العلاقة كله اختصر في موقف واحد
لكن من الخطأ أيضاً أن نجعل الخوف من الندم سبباً للتمسك بكل علاقة أو الاستمرار في كل وضع فليست كل خسارة نتيجة تسرع وليس كل فراق خطأ وقد يكون الابتعاد أحياناً أكثر حكمة من البقاء إنما الذي يستحق المراجعة هو القرار الذي نتخذه تحت تأثير الغضب أو استجابة لضغط عابر أو بناء على ظن لم نتثبت من صحته
ولعل أخطر ما في بعض القرارات أنها لا تمنحنا فرصة ثانية فقد نستطيع الاعتذار عن كلمة ولكننا لا نستطيع دائماً إزالة أثرها وقد ننجح في إعادة علاقة انقطعت ولكنها ربما لا تعود إلى ما كانت عليه وهناك فرص إذا ضاعت لم تتكرر وأشخاص إذا رحلوا لم يعد ممكناً أن نقول لهم ما تأخرنا في قوله
لقد كان الكسعي قادراً على الاحتفاظ بقوسه لو أنه انتظر حتى يتبين موضع سهامه وربما كان الفرزدق قادراً على معالجة ما بينه وبين النوار لو أن الظروف سارت على نحو آخر لكن ما وقع قد وقع وبقيت لنا من القصتين عبرة تتجاوز زمانهما وأصحابهما
إن التروي لا يعني التردد والتسامح لا يعني الضعف والرجوع عن قرار متعجل لا ينتقص من مكانة صاحبه بل قد يكون دليلاً على نضجه وليس مطلوباً من الإنسان أن يصيب في جميع قراراته وإنما أن يتجنب ما استطاع اتخاذ قرار مصيري في لحظة لا يكون فيها قادراً على رؤية الأمور بوضوح
وما أحوجنا إلى أن نتذكر ندامة الكسعي قبل أن نكسر أقواسنا بأيدينا وأن نتأمل ندامة الفرزدق قبل أن نفرط فيمن لهم مكانة في حياتنا فبعض ما نفقده لا تعوضه الأيام وبعض ما نهدمه لا تكفي بقية أعمارنا لإعادة بنائه
ولعل أشد الندم ليس أن نخسر ما نحب وإنما أن نكتشف أننا كنا نستطيع المحافظة عليه لكننا لم ندرك ذلك إلا بعد أن أصبح الفقد حقيقة لا يمكن تغييرها
كاتب رأي
