بين فحص المخطوط وحكم القارئ

بين فحص المخطوط وحكم القارئ
كيف تسيء الكتب المنحولة إلى الأعلام ؟
*✒️محمد عمر المرحبي*
قد يرحل العالم الجليل، وتطوي الأرض أثره لكن تبقى كتبه الصادقة تنفع الناس قروناً طويلة تضيء لهم دروب الفهم والمعرفة. غير أن التاريخ الإنساني والتراثي يشهدان مفارقة مؤلمة فقد يُنسب إلى العالم كتاب لم يكتبه قط فيتحول اسمه المكتوب على الغلاف زوراً إلى سببٍ للطعن فيه ووسيلة للنيل من مكانته العلمية والأخلاقية. ويزداد الأمر خطورة حين يتداول الناس ذلك الكتاب بلا أدنى تساؤل عن صحة نسبته فيُحاكمون صاحبه ويُقوّمونه بناءً على أفكار أو عبارات ربما لم تخطر له على بال في حياته ولا صلة له بها.
ولقد ترددتُ كثيراً قبل أن أشرع في كتابة هذه الكلمات لِما يستشعره المعتني بالتراث من دقة وحساسية بالغة في خوض مثل هذه المسائل التي تمس أسماء أعلام كبار وتتقاطع مع كتابات متداولة. غير أنني رأيتُ أن الواجب العلمي والمسؤولية تجاه القارئ يفرضان عدم التغاضي عن هذا الموضوع لكونه يمس صيانة التراث وحماية وعي المتلقي في آن واحد.
ومما هداني إلى تجسيد هذه القضية عملياً حادثة وقفتُ عليها أثناء تتبعي للمخطوطات والوثائق التراثية حيث اطلعتُ على نسخة محفوظة في المكتبة الفرنسية منسوبة إلى الإمام الحافظ جلال الدين عبدالرحمن بن أبي بكر السيوطي أحد الإمامين الجليلين اللذين اشتركا في تفسير الجلالين. وقد كان عنوان تلك النسخة ومضمونها مما أثار استغرابي الشديد ودفعني فوراً إلى تتبع سندها ونسبتها. ولن أذكر العنوان تفصيلاً فغايتي الأسمى ليست استعراض النصوص بل بيان ما قد تفعله نسبة كتاب منحول أو مشكوك فيه إلى عالم كبير في صورته لدى القراء والباحثين.
وخلال رحلة التتبع والمقارنة وقفتُ على تقرير بحثي محكم يرجح بوضوح أن الكتاب ليس من تأليف السيوطي فقد نقل موقع الإسلام سؤال وجواب عن الدكتور سمير الدروبي وهو من أخص الباحثين بمؤلفات الإمام السيوطي وفهرستها وتحقيقها تشكيكه البالغ في نسبة هذا الكتاب وغيره إليه. وطرح الدروبي احتمالين تاريخيين متسقين مع واقع النساخ والمؤلفين: إما أن يكون بعض النسّاخ قد ألحقوا تلك الكتب بمصنفات السيوطي المشهورة طلباً لرواجها وارتفاع قيمتها السوقية والعلمية أو أن يكون بعض خصومه ومناوئيه قد تعمدوا نسبتها إليه إمعاناً في الإساءة له وتشويه صورته بين طلاب العلم.
وهذه القضية المنهجية تستحق أن تقف في وعي كل قارئ قبل أن يصدر حكماً قاطعاً. فلغة العصر الحديث تتسارع فيها وسائل النشر وقد يطالع شاب صفحات من كتاب يحمل اسم إمام معتبر فيستغرب ما فيه من آراء غريبة أو مضامين هابطة ثم تتغير نظرته الفجائية إلى ذلك العلم وربما بدأ يتسلل إليه الشك في دينه وعلمه وأمانته العلمية. ولو أنه عرف أن نسبة الكتاب نفسها موضع اعتراض جاد عند باحث متخصص لتوقف طويلاً قبل أن يجعل تلك الصفحات شاهداً ظالماً على صاحب الاسم المكتوب عليها.
إن وضع اسم عالم مشهور على غلاف كتاب مغمور أو منحول يمنحه رواجاً وانتشاراً واسعاً لم يكن ليحصل عليه لو صدر باسم مؤلف مجهول. ومع تكرار الطباعة وتناقل النسخ وطول الزمن تتحول النسبة الظنية في أذهان العامة وبعض غير المتخصصين إلى حقيقة ثابتة لا تقبل النقاش. وحينئذٍ يبرز من يستشهد بتلك الصفحات للطعن في العالم والتجريح في تاريخه دون أن يكلف نفسه العودة إلى السؤال الجوهري الأول: هل ثبت حقاً أن هذا العالم كتبه؟
ولا شك أن حفظ النسخة في مكتبة عريقة ومعروفة لا يحسم هذا السؤال ولا يصححه بنفسه. فالمكتبات الكبرى تقتني الوثائق وتحفظها وتتيحها للباحثين ووظيفتها الأساسية هي الحفظ والإتاحة لا بالضرورة التوثيق القطعي لصحة نسب كل مخطوط. أما الجزم بمؤلف الكتاب الحقيقي فيحتاج إلى فحص دقيق ومقارنة داخلية للنص وتتبع تاريخي للنسخ. كما أن وجود نسخة في مكتبة أجنبية لا يعني أبداً أن المكتبة هي التي أحدثت الخطأ بل قد تكون وصلتها بعد أزمنة متطاولة من كتابتها ونسبتها الخاطئة.
وما أراه جديراً بالعناية الفائقة وينبغي أن توليه المراكز العلمية عنايتها هو أن يصل تصحيح النسبة إلى الجمهور بالوضوح والسرعة نفسيهما اللذين يصل بهما الكتاب المنحول. فإذا كان المحققون والباحثون قد اعترضوا على نسبة كتاب ما فمن حق القارئ بل ومن واجِب المؤسسات الثقافية أن يجد هذا الاعتراض ظاهراً وبارزاً في كل تعريف بالكتاب حتى لا يُقدَّم التراث إلى الأجيال وكأن القضايا العلمية والتاريخية كلها مجرد أمر محسوم.
وهنا يبرز الدور الجليل لجامعاتنا ومراكز تحقيق التراث ودور النشر الرصينة. فنحن بحاجة ملحة إلى دراسات نقدية واعية تكشف الكتب التي أُلصقت زوراً بغير أصحابها وتشرح أدلة ذلك النفي بلغة سهلة قريبة من الفهم وتصل بنتائجها الموثقة إلى الصحف والمنصات الرقمية ومواقع تداول الكتب. إن بقاء التصحيح أسيراً داخل أبحاث متخصصة مغلقة بينما يتداول العامة والشباب النسبة الخاطئة في الفضاء الرقمي يترك أثر الخطأ قائماً وفاعلاً في تشويه الوعي.
إن تقدير العلماء وإجلالهم الحقيقي يقتضي حفظ حقهم في ألا يُنسب إليهم ما لم يثبت عنهم ثبوتاً يقينياً أو ظنياً معتبراً. ومن حق القارئ أيضاً أن يطمئن إلى حقيقة ما يقرأ وأن يميز بوعي بين كتاب ثبتت نسبته بالتواتر أو التحقيق وآخر اختلف الباحثون فيه. وكما علّمنا تراثنا المجيد أن نسأل عن صحة الرواية وسندها قبل قبولها فالأولى بنا اليوم أن نستحضر هذا المعنى المنهجي العظيم حين ننقل عن أصحابه ونحاكم آراءهم.
فليس كل اسم لامع على غلاف كتاب دليلاً قاطعاً على صحة نسبته ولا كل كتاب مطبوع ومتداول يُعد حجة بالغة على من نُسب إليه. وبين متعة قراءة النص وبين قسوة الحكم على صاحبه مسؤولية أخلاقية وعلمية كبرى تبدأ بالتثبت الدقيق وتنتهي بالإنصاف الخالص.
كاتب رأي
