*الشعر الحداثي بين التجديد والانحدار*

*الشعر الحداثي بين التجديد والانحدار*
*✒️ محمد عمر المرحبي*
ظل الشعر العربي عبر تاريخه ديوان العرب ولسان وجدانهم يحمل أخبارهم ويصور مشاعرهم ويحفظ حكمتهم ويعبّر عن أفراحهم وأحزانهم بلغة لها موسيقاها وصورتها ومعناها ولم يكن الوزن والقافية قيدين مفروضين عليه بل كانا جزءاً من هويته التي تميزه من سائر فنون القول كما لم يكن المعنى أمراً زائداً يمكن الاستغناء عنه وإنما كان الروح التي تمنح القصيدة حياتها وتجعلها قادرة على البقاء في الذاكرة وحين نقرأ قصائد الشعراء الكبار نجد أن جمالها لا يقوم على الوزن وحده ولا على المعنى وحده بل على اجتماع اللغة والموسيقى والصورة والتجربة في بناء واحد حتى يبدو البيت وكأنه لا يقبل الزيادة ولا النقصان
ومع ظهور تيارات الحداثة الشعرية بدأت هذه المعايير تتعرض للتغيير وكان من حق الشعراء أن يبحثوا عن أساليب جديدة تعبّر عن تجارب عصرهم فالتجديد سنة طبيعية في الآداب والفنون والشعر العربي لم يبق طوال تاريخه على صورة واحدة غير أن التجديد شيء وإلغاء خصائص الشعر شيء آخر لأن تطوير الفن لا يعني تجريده من العناصر التي تمنحه هويته كما أن تحرير الشاعر من بعض القيود لا يعني إعفاءه من الموهبة واللغة والمعنى وقد استطاع شعر التفعيلة في عدد من نماذجه الجيدة أن يحافظ على صلته بالموسيقى العربية وأن يقدم تجارب إنسانية مفهومة ومؤثرة ولذلك لا يصح وضعه كله في منزلة واحدة مع النصوص النثرية التي تخلت عن الوزن والقافية ثم عجزت عن تقديم بديل فني يعوض هذا الغياب.
إن المشكلة الحقيقية بدأت حين تحول الخروج على شكل القصيدة إلى خروج على مفهوم الشعر نفسه وأصبح مجرد تقسيم الكلام إلى أسطر قصيرة كافياً عند بعضهم لمنحه صفة القصيدة يكتب أحدهم عبارات متناثرة ويجمع كلمات لا تربط بينها علاقة ظاهرة أو خفية ثم يوزعها على الصفحة بطريقة توحي بأنها شعراً فإذا سأل القارئ عن معناها قيل له إن النص عميق وإنه يحتاج إلى قارئ مختلف وهنا يتحول الغموض من أداة فنية يمكن استخدامها بقدر إلى وسيلة للهروب من المعنى ويصبح عجز النص عن التواصل فضيلة يفاخر بها صاحبه بدل أن يكون عيباً يستدعي المراجعة
ليس كل ما يصعب فهمه عميقاً فقد يكون وراء الغموض معنى يحتاج إلى التأمل وقد لا يكون وراءه شيء على الإطلاق. والنص العميق يمنح قارئه إشارات تساعده على اكتشاف طبقاته وكلما عاد إليه وجد فيه معنى جديداً له أصل في ألفاظه وصوره أما النص الفارغ فإنه يترك القارئ يدور بين الكلمات دون أن يصل إلى شيء لأن الكلمات لم تُبنَ لتؤدي معنى واضحاً من الأصل والفرق بين الحالتين أن تعدد المعاني في النص الجيد ينشأ من ثرائه بينما تتعدد التفسيرات في النص المضطرب بسبب غياب المعنى الذي يضبطها حتى يستطيع كل قارئ أن ينسب إليه ما يشاء دون أن يكون في النص ما يؤيد هذا التفسير أو ينفيه
ومن النماذج التي يظهر فيها تكلف الصورة وغموض الصلة بين عناصرها قول *أحمد عبد المعطي حجازي في قصيدته *حلم ليلة فارغة*:
كأنني أحس رحلة العصير
وهو يسير في شرايين الزهر
يحاول الشاعر أن يمنح النبات حياة داخلية تشبه حياة الإنسان فيجعل للعصير رحلة وللزهر شرايين وهي صورة يمكن للناقد أن يلتمس لها معنى بعيداً كأنها تعبير عن دبيب الحياة في النبات غير أن إمكان اختراع تفسير لها لا يعني أنها أدت معناها بوضوح أو حققت جمالاً شعرياً فالعصير لا يسير في شرايين الزهر والصورة لم تقدم داخل النص ما يجعل هذا الجمع الغريب ضرورة فنية ولذلك يبدو التعبير أقرب إلى تركيب متكلف أراد صاحبه أن يصنع به الدهشة فانتهى إلى صورة يحتاج القارئ إلى شرحها قبل أن يتذوقها والشعر قد يتجاوز الحقيقة العلمية ويمنح الأشياء صفات جديدة لكنه لا يفعل ذلك اعتباطاً بل يقيم بين أطراف الصورة علاقة يشعر القارئ بصدقها وإن لم تقع في الواقع. أما جمع الأشياء المتباعدة دون رابط وصناعة تراكيب لا تستقيم في العقل ولا الخيال فليس ابتكاراً بالضرورة بل قد يكون عجزاً عن التعبير جرى تقديمه في صورة تجديد حداثي
ولا يقتصر الضعف في بعض الشعر الحداثي على الغموض وتنافر الصور فقد يأتي النص واضحاً لكنه يفتقر إلى البناء الشعري الذي يرفع العبارة العادية إلى مرتبة الفن ومن ذلك قول *صلاح عبد الصبور*:
*هذا زمان السأم*
*نفخ الأراجيل سأم*
*لا عمق للألم*
فالمعنى هنا مفهوم لكن وضوحه لا يكفي لمنحه قيمته الشعرية إذ يقوم المقطع على تكرار كلمة السأم وإطلاق عبارات تقريرية متتابعة من غير أن تتشكل منها صورة مؤثرة أو معنى يتنامى مع امتداد النص لقد أخبرنا الشاعر أن الزمان ممل وأن تدخين الأراجيل ممل وأن الألم فقد عمقه لكنه لم يحول هذا الشعور إلى تجربة تجعل القارئ يراه أو يحسه وإنما اكتفى بتسمية السأم وتكراره وتكرار اللفظة قد يكون أسلوباً فنياً ناجحاً إذا أضاف في كل مرة دلالة جديدة أو صنع إيقاعاً يتصاعد مع التجربة أما إذا عادت الكلمة بالمعنى نفسه دون نمو أو تحول فإن التكرار يصبح بديلاً عن الإبداع لا وسيلة من وسائله
ويكشف هذا النموذج أن مشكلة بعض الشعر الحداثي ليست دائماً في استحالة فهمه فقد يكون مفهوماً لكنه لا يقول أكثر مما تستطيع جملة نثرية عادية أن تقوله ولو أعيدت كتابة هذا المقطع في سطر واحد فقيل: هذا زمن يسوده السأم حتى تدخين الأراجيل صار مملاً ولم يعد للألم عمق لما فقد شيئاً جوهرياً من معناه وهذا يطرح السؤال الذي لا بد أن يواجهه كل نص يتخلى عن الوزن والقافية: ما الذي بقي فيه من الشعر؟ فإذا لم نجد موسيقى مؤثرة ولا صورة مبتكرة ولا تكثيفاً يمنح الكلمات طاقة تتجاوز معناها المباشر فإن تقسيم العبارة إلى أسطر قصيرة لا يكفي لتحويلها إلى قصيدة
لقد أصبح بعض الشعر الحداثي يقوم على قاموس متكرر من الرماد والمرايا والغياب والمنفى والليل والريح والجدران وكأن جمع هذه الكلمات في نص واحد يكفي لصناعة قصيدة وليست المشكلة في هذه المفردات فقد يصنع منها الشاعر الموهوب نصاً جميلاً وإنما المشكلة في استخدامها بلا ضرورة ولا علاقة واضحة بالتجربة فالصورة الشعرية لا تكون جميلة لأنها غريبة فحسب بل لأنها تكشف علاقة لم نكن نراها وتنقل الشعور من معناه المجرد إلى مشهد يمكن أن نحسه ونتفاعل معه أما تراكم الصور الغريبة التي لا تقود إلى معنى يمكن الاهتداء إليه، فلا يدل بالضرورة على اتساع الخيال بل قد يدل على أن الشاعر استبدل غرابة التعبير بصدق التجربة
لقد عرف الشعر العربي الرمز منذ زمن بعيد وعرف التشبيه والاستعارة والكناية والتلميح ولم يكن شعراؤه يضعون المعنى أمام القارئ في صورة تقرير مباشر دائماً لكن الرمز عندهم كان طريقاً إلى المعنى لا حاجزاً دونه وكانت الصورة تزيد الفكرة وضوحاً وجمالاً لا تحولها إلى لغز مغلق أما حين يحتاج النص إلى مؤلفه ليشرح في كل مناسبة ماذا أراد أو يحتاج إلى ناقد يحمّله من المعاني ما لا تحتمله ألفاظه فإن الخلل لا يكون في القارئ وحده بل في النص الذي فشل في حمل تجربته
ولا يمكن أن نعد كل كلام يكتبه صاحبه في هيئة قصيدة شعراً لأن الأسماء لا تغير حقائق الأشياء لو كتب شخص مقالاً ثم قسم جمله إلى أسطر قصيرة فلن يتحول المقال إلى قصيدة ولو كتب خاطرة وجدانية وحذف منها علامات الترقيم وأكثر فيها الفراغات فلن تصبح شعراً بمجرد تغير شكلها على الصفحة الشعر ليس طريقة في الطباعة بل طريقة خاصة في بناء اللغة وإذا غابت هذه الخصوصية لم يبق إلا النثر سواء كُتب في سطور متصلة أم متناثرة
ومع ذلك فإن الإنصاف يقتضي ألا نجعل الوزن وحده دليلاً كافياً على جودة الشعر فكم من كلام موزون مقفى لا يحمل روحاً ولا يترك أثراً وكم من ناظم أتقن البحور ولم يمتلك موهبة الشاعر غير أن ضعف بعض الشعر الموزون لا يبرر إسقاط الوزن والمعنى معاً كما أن وجود قصائد تقليدية رديئة لا يجعل كل نص نثري قصيدة الوزن لا يصنع الشعر وحده لكنه أحد أبرز خصائصه في التراث العربي فإذا تخلى الكاتب عنه أصبح مطالباً بتقديم لغة شديدة التكثيف وإيقاع داخلي وصور مترابطة وتجربة قادرة على إقناع القارئ بأنه أمام فن يختلف عن النثر العادي أما أن يغيب الوزن ويضطرب المعنى وتتفكك الصورة ثم يبقى الاسم وحده فذلك لا يمثل تجديداً للشعر وإنما يمثل تفريغاً له من مضمونه
إن الحداثة الحقيقية لا تقوم على هدم الماضي لمجرد أنه ماضٍ ولا على مخالفة المألوف من أجل لفت الانتباه وإنما تقوم على فهم التراث ثم الإضافة إليه فالشاعر المجدد لا يبدأ من الفراغ بل يعرف اللغة ويملك أدواتها ويدرك قيمة الموسيقى ويعي أثر الصورة ثم يبحث عن صوته الخاص داخل هذا الامتداد أما من لم يتقن أصول الفن ثم أعلن التمرد عليها فهو لا يختلف عمن يعجز عن البناء ثم يزعم أن الأنقاض شكل جديد من أشكال العمارة
وقد أسهم النقد المتساهل في اتساع هذه الظاهرة حين استقبل كل نص غامض بالإعجاب وأحاط بعض التجارب بهالة من المصطلحات التي تخيف القارئ العادي وتوهمه بأن اعتراضه دليل على قصور فهمه وهكذا اتسعت المسافة بين الشعر والجمهور ولم يعد كثير من الناس يجدون في القصيدة الحديثة ما يمس مشاعرهم أو يعبّر عن حياتهم وليس صحيحاً دائماً أن الجمهور ابتعد عن الشعر لأنه لا يفهم الحداثة فقد يكون الشعر نفسه هو الذي ابتعد عن الإنسان حين أغلق أبوابه وتخلى عن موسيقاه واستبدل بالتجربة الصادقة استعراضاً لغوياً لا يصل إلى القلب ولا يستقر في الذاكرة
إن القصيدة التي تحتاج إلى شهادة النقاد لتثبت أنها شعر بينما لا يجد فيها القارئ إيقاعاً ولا معنى ولا أثراً تعاني مشكلة لا يمكن إخفاؤها بالمصطلحات فالشعر الحقيقي قد يحتاج إلى تأمل لكنه يمنح القارئ في النهاية شيئاً يستحق ذلك التأمل وقد يختلف الناس في تفسيره لكنهم يدركون أن وراء لغته تجربة حقيقية أما النص الذي يمكن حذف أسطر منه أو تبديل كلمات بأخرى دون أن يتغير شيء فهو نص لم تتكون له وحدة فنية من الأساس لأن الكلمة في القصيدة الأصيلة ليست قطعة زائدة بل جزء من بناء يختل إذا تغير موضعها
ليس المطلوب أن يعود جميع الشعراء إلى صورة واحدة من النظم ولا أن تُغلق أبواب التجريب فالفن الذي يكرر نفسه يفقد قدرته على الحياة ولكن التجريب لا يمنح صاحبه حصانة من النقد والحرية الفنية لا تعني سقوط المعايير من حق الشاعر أن يجدد في الوزن والقافية والصورة واللغة ومن حق القارئ كذلك أن يسأله: أين الشعر في هذا النص؟ وما المعنى الذي يحمله؟ وما الذي يجعله مختلفاً عن خاطرة نثرية عادية؟ فإذا لم يجد لهذه الأسئلة جواباً في النص فلا يجوز أن يُطالب بالتصفيق للفراغ احتراماً لاسم الحداثة
إن الشعر حرية منضبطة بالجمال وتجديد متصل بالأصول وغموض يفتح المعنى ولا يلغيه فإذا فقد النص موسيقاه وتماسكه وتجربته وتحول إلى كلمات مبعثرة لا يجمع بينها رابط لم يعد من العدل للشعر أن نحمله عليه فليس كل جديد إبداعاً وليس كل غامض عميقاً وليس كل ما كُتب في أسطر قصيرة قصيدة وقد يكون أكبر ظلم تعرض له الشعر في عصرنا أن أصبح اسمه يُمنح أحياناً لكلام لا يمتلك من الشعر إلا ادعاء صاحبه.
كاتب رأي
