كُتاب الرأي

درس لم يُكتب على السبورة

درس لم يُكتب على السبورة

بقلم: زينب فلاتة

ليست كل الدروس بحاجة إلى معلم يقف أمام السبورة ولا كل نواتج التعلم يمكن أن تقيسها ورقة اختبار ففي المدرسة دروس أخرى تحدث بصمت ولا تدخل في جدول الحصص ولا تُكتب في دفتر التحضير لكنها قد تكون أبقى أثرًا من درس أُعد له طويلًا وأعمق من معرفة حفظها الطالب ثم نسيها

وصلتني عبر وسائل التواصل الاجتماعي قصة متداولة لا أعرف كاتبها الأول لكنها استوقفتني طويلًا لا لأنها مؤثرة فحسب بل لأنها وضعت أمامي سؤالًا تربويًا يصعب تجاوزه ماذا لو كان أعظم ما يتعلمه أبناؤنا في المدرسة هو ما لا يوجد في كتبهم أصلًا؟

تحكي القصة عن تلميذ اعتاد البقاء بعد انتهاء اليوم الدراسي كان ينظف فصله ويمسح السبورة ثم ينتقل إلى بعض الفصول الأخرى فيرتبها وينظفها وحين لاحظ معلمه تكرار ذلك وسأله عن السبب كشف الطفل سرًا صغيرًا يحمل معنى كبيرًا

كان والده عامل نظافة في المدرسة وقد تقدم به العمر وأثقلته الآلام فكان الابن يساعده في الخفاء دون أن يعلم لأنه لا يريد أن يشعره بالشفقة أو يجرح كبرياءه

انتهت القصة هنا تقريبًا لكن بالنسبة لي بدأت من هنا

فنحن أمام معنى تربوي يتجاوز مجرد مساعدة ابن لأبيه فهذا طفل لم يحتج إلى درس نظري في البر ولم يرفع شعارًا عن الرحمة ولم ينتظر شكرًا أو ثناءً لقد مارس القيمة حين لم يكن يراه أحد

والأجمل أنه لم يفهم البر على أنه مساعدة والده فحسب بل أدرك بفطرته أن للمساعدة أدبًا وأن للرحمة كرامة وأن العطاء يكون أسمى حين يحفظ للآخر اعتزازه بنفسه

وهنا يصبح السؤال التربوي أكثر عمقًا ماذا نريد من المدرسة أن تصنع؟

هل يكفينا أن يغادرها الطالب وهو أكثر معرفة أم نريده أن يغادرها أيضًا أكثر إنسانية؟

لا شك أن المدرسة مكان للتعلم والمعرفة وبناء المهارات لكن رسالتها لا تنتهي عند حدود الكتاب والاختبار فهناك جانب آخر لا يظهر دائمًا في كشوف الدرجات ولا يمكن اختزاله في رقم أو نسبة وهو بناء الإنسان

قد يحصل الطالب على الدرجة الكاملة في اختبار وهذا نجاح يستحق التقدير لكن هناك نجاحًا آخر لا تمنحه ورقة اختبار أن يشعر بتعب أبيه وأن يرفق بأمه وأن يحترم العامل وأن يصون كرامة الآخر وأن يفعل الخير دون انتظار تصفيق أو ثناء

ذلك هو الاختبار الحقيقي للقيم

اعتدنا في التعليم أن نسأل ماذا تعلّم الطالب؟

وربما نحتاج أحيانًا إلى سؤال أعمق ماذا أصبح بعد أن تعلّم؟

فالمعرفة التي لا تترك أثرًا في السلوك تظل ناقصة والتربية التي لا تظهر في المواقف تبقى كلمات جميلة تنتظر اختبارها الحقيقي

ولعل أكثر ما استوقفني في القصة هو تبدل الأدوار في المشهد التربوي فالمعلم الذي اعتاد الوقوف أمام تلاميذه ليعلّمهم وجد نفسه للحظة أمام تلميذ يعلّمه

لم يكن الدرس في الرياضيات أو اللغة أو العلوم بل كان درسًا في البر والوفاء وصون الكرامة ولم يحتج التلميذ إلى سبورة ليشرحه فقد كانت أفعاله هي الدرس

وفي زمن أصبح فيه كثير من تفاصيل حياتنا قابلًا للتصوير والنشر والمشاركة تعيدنا هذه القصة إلى معنى شديد النقاء أن نفعل الخير لأن الخير يستحق أن يُفعل لا لأن أحدًا سيرانا ونحن نفعله

فالمدرسة العظيمة ليست فقط تلك التي تُحسن تعليم أبنائها بل تلك التي تسهم مع الأسرة في أن ينمو فيهم الإنسان

لهذا بقيت القصة في ذهني بعد أن أغلقت هاتفي

لم أقرأ فيها حكاية طفل ينظف فصلًا بقدر ما قرأت درسًا في التربية كتبه طفل دون قلم وشرحه دون سبورة ووضعنا نحن الكبار أمام اختباره

وربما لا تحتاج هذه القصة منا إلى مزيد من الإعجاب ولا إلى كلمات كثيرة بقدر ما تحتاج إلى سؤال واحد نغادر به

أي قيمة نعرفها جيدًا ولم نعشها بعد؟

فلنختر قيمة واحدة ونمنحها اليوم حياة في سلوكنا برًا أو رحمة أو وفاءً أو احترامًا أو عطاءً لا ينتظر أن يراه أحد

فالسبورة تُمسح في نهاية اليوم والكلمات قد تُنسى أما القيمة حين تتحول إلى فعل فإنها تُكتب في الإنسان ولا تُمحى ✍🏽

كاتبة رأي 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.