(( رُبَّ لحدٍ قد صارَ لحدًا مرارًا ! ))

(( رُبَّ لحدٍ قد صارَ لحدًا مرارًا ! ))
لطالما قيل: خذ الحكمة من أفواه المجانين، فالحكمة لا تُعرف بقائلها، وهي كما في القول المأثور ضالّة المؤمن، يلتقطها حيث وجدها ،فإذا كانت تؤخذ حتى من أفواه المجانين، فهي حين تصدر عن رجل عُرف بالتأمل العميق في الحياة والإنسان والموت أجدر بأن نتأملها.
وإلى شاعر الفلاسفة وفيلسوف الشعراء أبي العلاء المعرّي و قصيدته الشهيرة:
غيرُ مُجدٍ في مِلّتي واعتقادي
نوحُ باكٍ ولا ترنُّمُ شادِ
رُبَّ لحدٍ قد صارَ لحدًا مرارًا
ضاحكٍ من تزاحمِ الأضدادِ
صاحِ، هذي قبورُنا تملأُ الرُّحبَ
فأينَ القبورُ من عهدِ عادِ؟!
فالقبر الذي نقف أمامه وننسبه إلى صاحبه الأخير ربما لم يكن له وحده، فكم إنسانًا سبقه إليه؟ وكم جسدًا احتواه هذا الموضع؟ وكم اسمًا ارتبط به ثم غاب؟ وكم أناس مختلفين في طبائعهم وأفكارهم ومكانتهم وحيواتهم جمعهم، على تعاقب السنين، هذا الحيز الصغير؟ ثم إننا، ونحن نقف أمامه، لا نعلم من قد يُلحد فيه بعده، ولا كم مرة أخرى سيصبح هذا اللحد لحدًا لغيره.
لم يجعل اللحد شاهدًا صامتًا على هذا التعاقب، وإنما جعله «ضاحكًا من تزاحم الأضداد». فممَّ يضحك اللحد؟
أهو ضحك التعجب من أضداد فرّقت بينهم الحياة ثم جمعهم الموت في حيز واحد؟ أم هو ضحك السخرية مما تنازعوا عليه وتنافسوا فيه، ثم عادوا إليها لا يحمل أحد منهم شيئًا مما جمع، ولا منصبًا مما اعتلى، ولا مكسبًا مما نال !
ولعل في اللفظة من السعة ما يحتمل المعنيين معًا، لقد تزاحموا في الحياة على المال والجاه والأرض والمكانة، وربما دفعهم ذلك إلى التنافر والخصومة، ثم انتهى الزحام كله إلى صورة أخرى أشد مفارقة: تزاحم الأضداد في لحدٍ واحد.
ما أوسع الدنيا التي ضاقت باختلافهم، وما أضيق هذا المكان الذي اتسع لهم جميعًا!
وقبل ذلك يسأل المعرّي: فأين القبور من عهد عاد، ولعل «عاد» جاءت موافقة للقافية، لكن من عبقرية الشعر أن تتآلف القافية والمعنى حتى يصعب الفصل بينهما ، فعاد في الذاكرة العربية أمةٌ موغلة في القدم ارتبط ذكرها بالقوة والعمران، فإذا كان الزمن قد محا حتى قبور أولئك، فأي بقاء نتوهمه نحن؟
فقد يبقى القبر ويتعاقب عليه الموتى، ثم يأتي عليه من الزمن ما أتى على قبور من سبقوه، فيندثر هو الآخر، وتزول علاماته، ويعود ترابًا، حتى يمشي فوقه أناس لا يعلمون من كان تحته.
خفِّفِ الوطءَ ما أظنُّ أديمَ الـ
أرضِ إلا من هذه الأجسادِ
فالأرض التي نطؤها اليوم قد تكون قبورًا اندثرت، وأجسادًا عادت إلى أصلها، حتى اختلط الإنسان بالتراب الذي خرج منه، ولم يعد للقبرِ رسمٌ يدل عليه ولا اسمٌ يخبر عمّن كان فيه.
يموت الإنسان، ثم قد يندثر حتى الأثر الذي كان يدل على مثواه.
وليتنا نستعير من المعرّي هذه العين، فلا ننظر بها إلى القبور وحدها، وإنما إلى الحياة من حولنا. هذه الأرض التي نمشي عليها، كم إنسانًا مشى عليها قبلنا؟ وهذه الطرق، كم عابرًا مر بها يحمل همومه وأحلامه ثم مضى وبقي الطريق؟ وهذه البيوت التي نسميها «بيوتنا»، كم أسرة سكنتها قبلنا، وكم أسرة ستسكنها بعدنا؟ وكذلك الأرض والمال والمجالس والمناصب؛ يتعاقب عليها الناس، ويبقى منها ما يبقى بعد رحيل أصحابها.
لقد خرج البشر إلى الحياة أندادًا في أصل الإنسانية، ثم صنعوا فوق الأرض تفاوتاتهم وخصوماتهم، وتنازعوا على أرض ومال وجاه ومنصب حتى أصبح الأندادُ أضدادًا ثم عادوا إليها كما بدأوا.
وقد تبلغ المفارقة أقصاها حين يقف ضدان متواجهين لا يكاد يجمع بينهما شيء ، يقاتل كلٌ منهما الآخر ، ثم ينتهيان في المكان نفسه، وربما جمعتهما حفرة واحدة.
عندئذ تبدو عبارة تزاحم الأضداد أكبر من صورة قبر؛ إنها صورة مكثفة لما تصنعه الحياة من مسافات بين البشر، ثم لما يفعله المصير بتلك المسافات.
اقتتلوا على ما فوق الأرض، ثم ساوت الأرض بينهم تحتها.
وهنا تحضر صورة أخرى للأرض عند أبي القاسم الشابي شاعر الحب والحياة، حين يخاطبها كما يخاطب الابن أمه:
وقالت لي الأرضُ لما سألتُ
أيا أمُّ هل تكرهين البشرْ؟
ثم يقول على لسانها:
ولولا أمومةُ قلبي الرؤوم
لما ضمّتِ الميتَ تلك الحُفَرْ
ولعل في (لولا) عتبًا خفيًا يستحق التأمل؛ كأن هذه الأم رأت من أبنائها ما يبرر العتب: تنافسهم وتنافرهم، وما صنعوه فوق ظهرها من خصومات وأضداد، ومع ذلك ظلت أمومتها أوسع، فضمّتهم إليها من جديد.
اختلفت فوق الأرض حظوظهم وأموالهم ومناصبهم وآمالهم، وتباعدت طرقهم ومشاربهم؛ وتحتها سقطت تلك الفوارق، وعاد الإنسان إلى بساطة البداية الأولى: إنسانًا من تراب يعود إلى التراب.
وكل تلك «المكاسب» التي ازدحمت بها الحياة تسقط عند حافة اللحد، فلا يبقى للإنسان من كسبه إلا ما عبّر عنه القرآن في ميزان أدق وأبقى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾.
وتأتي الحكمة الشعبية، على بساطتها، لتختصر كثيرًا من هذا التأمل:
لفيت للدنيا وأنا ما معي شيء
وبروح منها ما معي شي منها
ولعل الإنسان لو استحضر هذه الحقيقة وهو حي، لاختلفت أشياء كثيرة في ميزانه؛ لهان عليه بعض ما يتخاصم الناس عليه، ولرأى المال والجاه والمنصب والاختلاف في أحجامها الحقيقية، وأدرك أن ما بين المجيء والرحيل أقصر من أن نستنزفه في صناعة الأضداد.
وإذا كان اللحد قد صار لحدًا مرارًا، والدنيا كانت دنيا لغيرنا مرارًا، فالحكمة أن ندرك ذلك ونحن فوق الأرض، قبل أن نصير تحتها.
ماجد الغامدي
