كُتاب الرأي

) الكرسي الذي لا يجلس عليه أحد.. ! (

) الكرسي الذي لا يجلس عليه أحد.. ! (

ثمة لحظات لا ترحل حين ينتهي زمنها..
تظل عالقة في المكان على هيئةٍ شفيفة لا تُرى و كأنها تخشى مغادرة المشهد الذي احتواها، فتقضي أعوامها متنقلةً بين الغرف، تمر عبر الأبواب المفتوحة، وتتوقف عند الزوايا التي كانت تعرفها جيدًا ، تجلس قليلًا في أماكنها القديمة، وتصغي إلى الصمت الذي حلّ محل الضحكات، ثم تواصل تجوالها الهادئ بين ما بقي من آثار الذين عبروا من هنا.
وربما لهذا تبدو بعض البيوت محتفظةً بشيء من أهلها، حتى بعد أن تأخذهم الحياة إلى طرق أبعد ، ليس لأن الجدران تتذكر، بل لأن الأيام الجميلة لا تغادر دفعةً واحدة ، تترك خلفها شيئًا من ظلها ، شيئًا يشبه الحنين وهو يتجول وحيدًا في الممرات.
نمر بالمكان فنظن أننا نشتاق إلى أشخاص بعينهم، بينما الحقيقة أننا نشتاق أحيانًا إلى نسخة قديمة من الزمن نفسه ، إلى مساءات كانت أكثر امتلاءً، وأصوات كانت تأتي بلا موعد، وتفاصيل صغيرة لم نكن نعلم، ونحن نعيشها، أنها ستصبح يومًا من أثمن ما كنا نملك.
كأن للحظات الجميلة غريزةً خاصة في البقاء، فحين يمضي أصحابها، لا تغادر معهم تمامًا ، تظل لبعض الوقت، وربما لبعض العمر أو بقيته ، تتنقل في البيت كطيف أليف ، تعبر الممرات التي حفظت وقع الخطوات، وتُطل من الأبواب التي اعتادت انتظار العائدين، وتستريح في أماكنها القديمة كمن يناجي الغائبين بصوت لا يسمعه أحد ، وتجلس على أرائك الألفة والحنين..
فيبقى للكراسي أعمارٌ لا تُقاس بخشبها ولا بسنواتها، بل بمن كانوا يجلسون عليها؛ ففيها بقايا طيفٍ تعيش رغم الغياب، لأن الذكريات تتولى حفظها بطريقتها الخاصة..
في البيوت المزدحمة لا ننتبه كثيرًا إلى الكراسي فتكون جزءًا من المشهد فحسب، مثل الجدران والنوافذ وساعات الحائط ، تؤدي عملها بصمت، ثم تختفي وسط الضحكات والأحاديث والأكواب التي تُترك فوق الطاولة على عجل.!
لكن الكرسي يشعرك بحسرةٍ مختلفة وحزنٍ لطيف حين يصبح فارغًا أكثر مما أَلِف ، فتثقله الذكريات كلما طال خلوّه ممن كان يجلس عليه ..
ثمة كرسي لا يلفت الانتباه إلا بعد أن يتوقف صاحبه عن الجلوس عليه ، حينها يبدأ الأثاث يردد صوت الذكريات.
فذلك المقعد عند طرف الطاولة صار موعدًا مؤجلًا، وصوتًا قديمًا، وصورة تمر في الخاطر كلما وقع البصر عليه ، وكأن البيت يعيد عدّ سكانه من خلال الكراسي، لا من خلال الأشخاص.
تعرف البيوت ( مثل القلوب تمامًا ) أن الغياب لا يدخل دفعة واحدة ، قد يتسلل متخفيًا في هيئة نجاح جميل أو فرحة مستحقة ، يأتي أحيانًا مرتديًا ثوب زفاف، وأحيانًا يحمل حقيبة جامعة، وأحيانًا يطرق الباب باسم المستقبل الذي طالما دعونا الله أن يفتحه لأبنائنا.
فتبدو المشاعر مرتبكة بعض الشيء ..
نفرح لأن الحياة تبتسم لمن نحب، ثم نفاجأ بأن تلك الابتسامة نفسها أخذت معها شيئًا من ضجيج البيت.
فجأة نكتشف أن عدد الصحون على المائدة قد قلّ، وأن الثلاجة أصبحت أكثر تنظيمًا مما ينبغي، وأن جهاز التحكم بالتلفاز يعيش حياة أكثر استقرارًا مما كان يحلم بها.
هي أمور تبدو مريحة للوهلة الأولى، قبل أن ندرك أن شيئًا من الفوضى كان يؤدي وظيفة أخرى هي الطمأنينة.
فالفوضى الصغيرة لم تكن فوضى تمامًا ، كانت دليلًا على أن أحدًا سيعود، وأن أحدًا سيترك كوبًا في غير مكانه، أو يفتح بابًا ثم ينسى إغلاقه، أو يمر في الممر مسرعًا دون سبب واضح.
والحقيقة أن الفراغ لا يأتينا من نقصان الأشخاص وحده، بل من اختفاء التفاصيل التي كانوا يتركونها خلفهم.
ومع ذلك، لا تنزع الحياة كل شيء دفعة واحدة..
فبين الكراسي التي أصبحت تحفظ أصحابها أكثر مما تستقبلهم، يبقى أحيانًا كرسي ما زال يؤدي عمله اليومي. .
كرسي لصوت مألوف يعود آخر النهار، ولباب يُفتح في موعده المعتاد، ولخطوات تعبر الممرات دون أن تدري أنها تمنح المكان جزءًا من حياته.
قد لا يعوّض الغائبين، ولا يُفترض به ذلك..
لكنه يصنع شيئًا أجمل..يمنع الغياب من أن يكتمل.
وعندها يكتشف المرء أنه كان ينظر طويلًا إلى الكراسي الفارغة، وينسى أن يشكر الكراسي التي ما زالت مشغولة..
فالبيت لا يحتاج إلى ازدحام دائم كي يشعر بالحياة؛ قد يكفيه نبض صغير، وصوت واحد، وكرسي لم تتخلَّ عنه الأيامُ بعد.
وربما لهذا لا تحزن البيوت على الغياب وحده، بل تتعلم الامتنان لما بقي ، فالحياة لا تعوضنا بالنسخ المتطابقة، لكنها تمنحنا دائمًا ما يخفف الانتقال بين الفصول.
أما ذلك الكرسي الذي لا يجلس عليه أحد، فلعله ليس فارغًا كما نظن..
إنه مشغول بالانتظار.. ومزدحم بالذكريات.
كلما دعاك إليه هاجس الشوق رأيته أكثر الأماكن ازدحامًا في البيت.

ماجد الغامدي

 

ماجد عبدالله الغامدي

أديب وشاعر سعودي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.