شاعر وغاوٍ!

شاعر وغاوٍ!
قد يقضي إنسان سنوات يدافع عن فكرة لم يقلها صاحبها قط، ويظن أنه أكثر الناس وفاءً له!
يستشهد بكلامه، ويخاصم الآخرين باسمه، وربما يغضب ممن يخالفه، دون أن يخطر بباله أنه قد يكون يدافع عن فهمه لذلك الكلام، لا عن المعنى الذي أراده صاحبه.
ولعل العلاقة بين الشاعر والغاوي تحمل شيئًا من هذه المفارقة.
يقول الشاعر قصيدته، فتغادره إلى الناس. يسمعها أحدهم فيجد فيها حكاية تشبه حكايته، ويسمعها آخر فيرى فيها دعوة إلى أمر لم يفكر فيه الشاعر، بينما يتلقاها ثالث على أنها تعبير عن موقف يوافق هواه.
والقصيدة واحدة، لكن ما يصل منها إلى كل واحد ليس واحدًا.
وقد يكون بين هؤلاء من يظن أنه أشدهم اتباعًا للشاعر، مع أنه أبعدهم عن مقصده.
والأعجب أن الشاعر نفسه قد يكون استمد قصيدته من تجربة أحد الذين يتبعونه. فربما كان الغاوي صاحب الحكاية، والشاعر صاحب العبارة. أحدهما سبق إلى التجربة، والآخر سبق إلى التعبير عنها.
وربما كان الغاوي تابعًا للشاعر في قصيدته، وكان الشاعر تابعًا للغاوي في حكايتها.
وهنا يتغير السؤال. فلا يعود: من يتبع من؟ بل: في ماذا يتبعه؟
فالإنسان قد يتبع غيره في علمه، ويخالفه في رأيه، ويقتدي به في خُلُق، دون أن يسلّم له في كل شيء. وقد يختار من يتبعه لا لأنه عاجز عن التفكير، بل لأنه يريد أن يتعلم كيف يفكر.
قد يكون اختيار من تتبعه من أهم مظاهر استقلالك!
لكن اختيار من نتبعه لا يعني بالضرورة أننا نفهمه كما يريد أن يُفهم.
فبين التابع والمتبوع مسافة تُقاس بالفهم قبل الخطوات . وقد يتفق الطرفان على الرغبة في الاتباع، ثم يختلفان في معناه.
فالمعلم الذي يريد من تلميذه أن يتعلم طريقة التفكير قد يفاجأ بأن التلميذ لم يتعلم منه إلا تكرار عباراته. والمقتدي الذي أعجب بصفة في قدوته قد يبني حولها صورة كاملة، ثم يدافع عن تلك الصورة أكثر مما يدافع عن حقيقة صاحبها.
بل إن المحب قد يتعلق بالصورة التي صنعها عن محبوبه، حتى يصبح ما يحبه في خياله مختلفًا عمن يحبه في الواقع.
و قد يتبع الغاوي الشاعر في ما فهمه من قصيدته، لا في ما أراده الشاعر منها!
وليس المقصود أن على الناس أن يفهموا الكلام كما أراده قائله دائمًا؛ فالكلمات، بعد أن تغادر أصحابها، تلتقي بعيون مختلفة وقلوب مختلفة، وقد يرى فيها كلٌّ ما لم يخطر لقائلها.
لكن الفارق كبير بين أن تقول: هذا ما فهمته من كلامه، وأن تقول: هذا ما أراده بكلامه.
فالأولى تعترف بأنك شريك في صناعة المعنى، أما الثانية فتجعل فهمك الشخصي حقيقة تنسبها إلى غيرك.
وقد يكون أشد الناس حرصًا على اتباع إنسان ما أبعدهم عن مقصده؛ لا لأنهم تعمدوا مخالفته، بل لأنهم تبعوا فهمهم له حتى غلبت الصورة عندهم على صاحبها.
ولعلنا حين ننظر إلى علاقة التابع والمتبوع نلتفت إلى من يتقدم ومن يسير خلفه، بينما نغفل عن شيء أهم: أن الذي يسير خلف إنسان قد لا يكون متجهًا إلى الوجهة نفسها.
فليس كل من سار على خُطاك قد سار إلى حيث أردت!
وربما كان السؤال الأصعب من معرفة من يتبع من، هو معرفة ما الذي نتبعه أصلًا:
الأشخاص كما هم، أم الصورة التي كوّناها عنهم؟
ماجد الغامدي
#نحن_طويق



