حين تفسد التقنية أخلاقنا

حين تفسد التقنية أخلاقنا
بقلم: بكري معتوق عساس
لم تعد التقنية الحديثة مجرد وسيلة لتبادل المعرفة، بل أصبحت جزءًا من حياتنا يؤثر في أذواقنا وطريقة حديثنا عن الآخرين. وكان المنتظر أن ترتقي منصات التواصل بالحوار وتفتح أبواب الوعي والإبداع؛ غير أن سوء استخدامها حوّل بعضها إلى ساحات للتشهير والسباب والشائعات. فالخلل ليس في التقنية، بل في الأخلاق والمسؤولية التي تضبط استخدامها.
حين ظهرت شبكات التواصل، رأى فيها العقلاء فرصة لتعزيز الوعي وتوثيق الصلات وإيصال المواهب إلى الجمهور. وقد حققت أهدافًا إيجابية، لكن سلوكيات سلبية أخذت تتسلل إليها ويتعالى صوتها يومًا بعد يوم.
حوّل بعض المستخدمين هذه الوسائل إلى ساحات للسباب والتشهير بدل الحوار الراقي. وأصبحنا نلحظ استهانة بحرمات الناس، ومسارعة إلى نشر الشائعات دون تحقق، وكأن سمعة الإنسان مادة مباحة لا حقًّا ينبغي صونه.
ما الذي يدفع شخصًا إلى الاختباء خلف اسم مستعار، فيشتم هذا، ويسب ذاك، ويتهم ثالثًا، ويروّج إشاعة عن رابع؟ وما الذي يجعله يترصد الهفوات، فإن لم يجد ما يعيب به الناس اختلقه ونشره بلا وازع من ضمير؟
كيف يرضى مؤمن بالله واليوم الآخر أن يخوض في الغيبة والبهتان، وهو يقرأ قول الله تعالى: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾؟ وكيف لمن يتلو قوله سبحانه: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ أن يختار الكلمة القبيحة ويجعل قلمه خلف الشاشة وسيلة للإيذاء؟ وكيف ينشر خبرًا قبل التثبت من صحته؟
أهي التربية؟ أم الانسياق وراء المجموع؟ أم الأنا الزائفة التي تتوهم البطولة في الإساءة؟ أسئلة تستحق التأمل؛ فالسلوك الرقمي يكشف أخلاق صاحبه كما يكشفها كلامه في المجالس.
قد يكون المسيء جانياً، وقد يكون ضحيةً لبيئة تشجع على التنمر. وفي الحالتين، لا بد من مواجهته بالتوعية والمساءلة والإصلاح. فالمجتمع لا يحمي أفراده بالصمت، ولا يعالج الإساءة بإساءة مضادة، بل بالكلمة المسؤولة واحترام الكرامة الإنسانية.
ولا يعني ذلك رفض النقد؛ فالنقد المسؤول ضرورة لتصحيح الأخطاء. إنما المشكلة في انتهاك الحرمات ثم إلباس الإساءة ثوب الإصلاح أو حرية الرأي. فحرية التعبير لا تعني التشهير، والنقد لا يبيح الكذب، والاختلاف لا يسوّغ الانتقاص من الناس.
إن التقنية مرآة لما نختار أن نكونه؛ فإما أن نجعلها جسرًا للمعرفة، وإما أداة لإفساد الذوق العام وتمزيق الثقة. والكلمة المنشورة قد تجرح إنسانًا أو تلطّخ سمعة بريء. ويُروى أن رجلًا قال لعبد الملك بن مروان: «سأهمس لك بأمر»، فقال: «اهمس، ولكن لا تكذب، ولا تغتب، ولا تنافق»، فقال الرجل: «إذن، اسمح لي بالانصراف». فليتنا نتذكر أن ليست كل كلمة تستحق أن تُقال، ولا كل خبر يستحق أن يُنقل؛ فالكلمة الطيبة تبني، والجارحة قد تهدم في لحظة ما تعجز سنوات عن إصلاحه.
كاتب رأي
#نحن_طويق
