كُتاب الرأي

المعلّم… صانع نهضة الأمم

المعلّم… صانع نهضة الأمم

بقلم: د. بكري بن معتوق عساس

ليست نهضة الأمم حكاية أرقامٍ اقتصادية، ولا ثمرةَ ثروةٍ تُكتشف في باطن الأرض، ولا قرارًا سياسيًّا يُتخذ في قاعات الحكم فحسب؛ إنها، قبل ذلك وبعده، حكاية إنسانٍ تعلّم، وعقلٍ أُضيء، ومعلّمٍ آمن بأن في كل طالبٍ مشروعَ مستقبل. فالدول التي صعدت من ضيق الإمكانات إلى سعة الإنجاز لم تبدأ دائمًا بما تملك من موارد، بل بما أحسنت بناءه من عقول، وما أولته من عناية للمدرسة والمعلم.

وتقدّم تجارب بعض الدول الآسيوية مثالًا لافتًا على هذه الحقيقة؛ إذ ارتبطت مسارات النهوض فيها بإرادةٍ واضحة جعلت التعليم أولوية وطنية، ونظرت إلى المعلّم بوصفه ركيزةً للتغيير، لا موظفًا يؤدي مهمةً يومية فحسب. ومن هنا تبرز تجربة سنغافورة، وما يُروى عن أثر التعليم في مسيرة كوريا، بوصفهما مدخلًا للتأمل في الدور الذي يمكن أن يؤديه المعلّم حين يجد التقدير والتأهيل والدعم.

سنغافورة: من محدودية الموارد إلى صناعة المعرفة

عندما استقلت سنغافورة عام 1965، كانت دولةً محدودة الموارد، وكان متوسط دخل الفرد فيها، وفق الرواية الواردة في الكتاب المشار إليه في الصفحات المصوّرة، نحو أربعمائة دولار سنويًّا. غير أن ضيق الإمكانات لم يتحول إلى قدرٍ محتوم؛ فقد اتجهت الدولة إلى الاستثمار في الإنسان، وجعلت التعليم أداةً لبناء اقتصاد قادر على المنافسة، ومجتمعٍ يملك المهارات اللازمة لمواكبة العالم.

وتنقل الرواية عن رئيس وزراء سنغافورة الأسبق لي كوان يو تأكيده أهمية المعلم، مشيرةً إلى أن البلاد اهتمت بتأهيل المعلمين وتدريبهم، وإلى أن التعليم كان في صميم مشروعها الوطني. ولم يكن هذا الاهتمام تفصيلًا إداريًّا عابرًا؛ فالمعلّم المؤهل يصنع بيئةً للتعلّم، ويكتشف الاستعدادات، ويمنح الطالب أدوات التفكير والعمل، ويحوّل المعرفة من معلوماتٍ محفوظة إلى قدرةٍ على الابتكار والإنتاج.

وتكشف التجربة السنغافورية أن تطوير التعليم لا يتحقق بالشعارات وحدها؛ بل يحتاج إلى اختيار المعلمين بعناية، وإعدادهم إعدادًا راسخًا، وتطويرهم مهنيًّا، ومنحهم المكانة التي تليق برسالتهم، إلى جانب بناء مناهج تستجيب لحاجات المجتمع والاقتصاد. فحين تُحسن الدولة الاستثمار في المعلم، فإنها تستثمر في أجيالٍ كاملة، وفي قدرتها على صناعة مستقبلها.

كوريا: معلّمون يفتحون الطريق

وتعرض الصفحات المصوّرة روايةً عن رئيس كوري نشأ في ظروفٍ صعبة، وعمل في مهنٍ متواضعة ليسهم في تحمّل تكاليف تعليمه، قبل أن يجد في المدرسة معلّمين شجّعوه على مواصلة التحصيل العلمي. وتبرز دلالة هذه القصة في أن أثر المعلّم قد يتجاوز حدود الفصل الدراسي؛ فقد تكون كلمة تشجيع، أو فرصة تعليم، أو إيمانٌ بقدرات طالب، نقطةَ تحوّلٍ في حياته، وربما في حياة وطنه كله.

ولا ينبغي أن تُقرأ مثل هذه الحكاية باعتبارها قصة نجاح فردية فحسب، بل بوصفها تذكيرًا بقيمة البيئة التعليمية التي لا تسمح للفقر أو الظروف الاجتماعية بأن تطفئ الطموح. فالمعلّم الذي يلاحظ موهبةً خفيّة، ويمنح الطالب الثقة، ويعينه على تجاوز عثراته، قد يشارك في إعداد قائدٍ أو عالمٍ أو مبتكرٍ يسهم في بناء المجتمع. ومن هنا فإن دعم الطلاب، ولا سيما القادمين من أسر محدودة الدخل، ليس عملًا تربويًّا فقط؛ بل استثمارٌ في العدالة الاجتماعية وفي طاقات الوطن.

ما الذي تصنعه الدول حين تضع المعلّم في المقدمة؟

تتضح من هذه الملامح مجموعةٌ من الدروس الأساسية. أولها أن المعلم المؤهل هو نقطة الانطلاق لأي إصلاح تعليمي جاد؛ فلا منهج متطور يحقق غايته إذا لم يوجد من يحسن تقديمه وإلهام الطلاب به. وثانيها أن تدريب المعلمين يجب أن يكون مستمرًّا، لأن المعرفة تتغير، وأدوات التعليم تتطور، وحاجات الأجيال الجديدة لا تبقى على حالها.

وثالثها أن مكانة المعلم لا تُبنى بالكلمات وحدها، وإنما بالاختيار الجيد، والتأهيل النوعي، والرواتب العادلة، وفرص التطور المهني، والثقة في قدرته على أداء رسالته. ورابعها أن المدرسة ليست مكانًا لتلقين المعلومات فقط، بل فضاءٌ لتكوين الشخصية، وترسيخ الانضباط، وتنمية التفكير النقدي، والعمل الجماعي، وروح المبادرة. وخامسها أن نجاح التعليم مسؤولية مشتركة تتكامل فيها الأسرة والمدرسة والدولة والمجتمع.

كما تؤكد هذه التجارب أن التعليم الفاعل لا يقاس بعدد المدارس والمباني وحده، ولا بحجم الإنفاق المجرد، بل بما يتعلمه الطالب فعلًا، وبقدرته على توظيف المعرفة في الحياة والعمل، وبمدى استعداد الخريجين للإسهام في اقتصادٍ منتج ومجتمعٍ متماسك. والمعلم هو الحلقة التي تصل السياسات التعليمية بحياة الطالب اليومية؛ لذلك فإن تمكينه من أدوات العصر، ومنها التقنية والذكاء الاصطناعي، ينبغي أن يصاحبه الحفاظ على دوره الإنساني في التوجيه والتحفيز وبناء القيم.

خاتمة: نهضة تبدأ من الفصل الدراسي

إن الدرس الأعمق الذي تقدمه تجارب الدول الصاعدة هو أن بناء الأوطان يبدأ من بناء الإنسان، وأن بناء الإنسان يمرّ غالبًا عبر معلّمٍ مخلصٍ ومدرسةٍ تؤمن بقدرات طلابها. فالثروة قد تنفد، والموارد قد تتقلص، أما المعرفة التي تُزرع في العقول فتظل قادرةً على توليد الفرص وصناعة الحلول.

ولهذا، فإن تكريم المعلّم الحقيقي لا يكون في يومٍ احتفاليٍّ أو عبارةٍ جميلة فحسب، بل في سياسةٍ تعليمية تضعه في قلب مشروع النهضة، وتمنحه التدريب والثقة والبيئة التي تعينه على الإبداع. فالأمم لا ترتقي بما تشيّده من مبانٍ فقط، بل بما توقظه في عقول أبنائها من أسئلة، وما تزرعه في نفوسهم من طموح؛ وفي مقدمة من يشعلون هذا النور يقف المعلّم، صانع الإنسان، وباني المستقبل.

كاتب رأي 

 

 

معالي الدكتور بكري عساس

مدير جامعة أم القرى سابقا وأديب سعودي وكاتب رأي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.