المنفى لا يستعيد دولة…

المنفى لا يستعيد دولة…
تحرير اليمن مسؤولية أبنائه
حين يعيش المسؤول بعيدًا عن وطنه، بينما يواجه المواطن والمقاتل داخله شظف العيش والخطر، يبرز سؤال لا يجوز تأجيله: كيف تُستعاد دولةٌ غابت قيادتها عن أرضها، وتراجعت فيها المسؤولية أمام الامتيازات؟
في افتتاحيتها بعنوان «تحرير اليمن مسؤولية اليمنيين»، وضعت صحيفة «عكاظ» يدها على جانب مهم من الأزمة: قد تتحول الطمأنينة المعيشية في المنافي، وما يصاحبها من رواتب ومزايا، إلى حاجز يفصل بعض القيادات عن واقع شعبها، ويجعل القضية حاضرة في التصريحات والتحليلات، وغائبة عن الفعل الميداني. وقد حذّر الأستاذ لطفي بن سعدون الصيعري بدوره من تبديد المال العام على الإعاشات والوظائف الصورية، في وقت يعاني فيه المواطنون والمقاتلون من الفقر وانقطاع الخدمات وتعثر المستحقات.
المشكلة أعمق من مكان إقامة المسؤول؛ إنها في غياب معيار واضح للمحاسبة والإنجاز. فالمنصب العام تكليف، والمال العام أمانة، والدعم السياسي والمالي لا ينبغي أن يتحول إلى امتياز دائم لمن تعطلت مسؤولياتهم. وحين تُصرف الأموال بلا شفافية، وتُترك الجبهات والخدمات والمرتبات في العجز، تتسع الفجوة بين مؤسسات الدولة والناس الذين يفترض أنها وُجدت لخدمتهم.
لكن تحميل المسؤولية يجب أن يقود إلى إصلاح عملي، لا إلى تبادل الاتهامات وحده. فاستعادة الدولة لا تتحقق بالشعارات، ولا بالاجتماعات البعيدة عن الميدان، ولا بقرارات لا تجد طريقها إلى التنفيذ. إنها تحتاج إلى قيادة موحدة، وأهداف معلنة، ومؤسسات تعمل من الداخل، وخطة يمكن قياس نتائجها ومساءلة القائمين عليها.
ومن هنا، لا بد من مراجعة الإعاشات والامتيازات والوظائف غير المرتبطة بعمل فعلي، وإخضاع الإنفاق العام للرقابة، وتوجيه الموارد إلى رواتب الموظفين والمقاتلين والخدمات الأساسية. كما ينبغي أن يتولى المسؤولون القادرون واجباتهم من داخل البلاد، كلٌّ بحسب موقعه ومسؤوليته، وأن تُربط المخصصات والقرارات بأداء واضح، مع احترام القانون والضمانات النظامية.
أما القوى العسكرية والسياسية، فمسؤوليتها أن تتجاوز التنافس على المواقع، وتعمل على توحيد القرار والصفوف، وتعلن للشعب ما تحقق وما تعثر، وما تحتاجه المرحلة من إمكانات. وعلى قيادة التحالف أن تساند مسارًا جادًا للمساءلة وتصحيح الأداء، بحيث ينعكس الدعم على حياة الناس وعلى قدرة مؤسسات الدولة، لا على استمرار حالة الانتظار.
ولا ينبغي أن تختزل هذه الدعوة في مطالبة المسؤولين بالعودة فحسب؛ فالعودة بلا خطة ومحاسبة لن تصنع فرقًا. المطلوب أن تعود المسؤولية إلى معناها: حضورٌ في مواقع الواجب، وإنفاقٌ يخضع للمراجعة، وقيادةٌ تُقاس بما تنجزه، لا بما تعلنه.
اليمنيون هم أصحاب القضية، لكن ذلك لا يعفي القيادات من واجبها، ولا يبرر للمتنفذين أن يعيشوا بعيدًا عن تبعات قراراتهم. إن استعادة الوطن تبدأ حين يشعر المواطن أن المال العام له، وأن المسؤول يخضع للمساءلة، وأن التضحيات تقابلها قيادة تعمل بجدية.
لا تُستعاد صنعاء بإعاشات مفتوحة، ولا تُبنى الدولة من غرف الفنادق. تُستعاد بإرادة وطنية، ومؤسسات مسؤولة، وموارد تُصرف في مواضعها، وقيادة تقف مع شعبها وتتحمل معه كلفة الطريق.
بقلم: مهندس صالح بن سعيد المرزم
الأربعاء 21 أكتوبر 2026م
#السعودية #الشرق_الأوسط #السياسة #الاستقرار #حضرموت #حضرموت_تقرر_مصيرها #صالح_المرزم #حوار_الطرشان
