كُتاب الرأي

اليمن الذي لم يسقط في المعركة…

اليمن الذي لم يسقط في المعركة…

من فتح أبواب الدولة للحوثي ومن دفع الثمن؟

من خارج اليمن، تبدو قصة صعود الحوثيين أكثر غرابة مما قد تبدو لمن عاش تفاصيل الصراع اليومية.

كيف استطاعت جماعة مسلحة خرجت من جبال صعدة، وخاضت ست حروب مع الدولة، أن تنتقل خلال سنوات قليلة من تمرد محلي إلى قوة تدخل صنعاء، وتسيطر على مؤسسات الدولة ومعسكراتها، وتستولي على جزء كبير من ترسانة الجيش، ثم تتحرك جنوباً حتى عدن؟

هل امتلك الحوثي فعلاً القوة التي تسمح له بابتلاع دولة كاملة؟

أم أن أبواب الدولة فُتحت له من الداخل؟

بعد أكثر من عقد من الحرب، وما أصبح متاحاً من وثائق الأمم المتحدة ومجلس الأمن وتقارير الخبراء، يصعب تفسير سقوط صنعاء باعتباره انتصاراً عسكرياً حوثياً خالصاً.

فالحوثيون لم يدخلوا صنعاء وحدهم.

كان خلف المشهد حليف يعرف الجيش اليمني من داخله، ويعرف قادته ومعسكراته وشبكات ولائه، بعدما حكم البلاد أكثر من ثلاثة عقود:

الرئيس السابق علي عبدالله صالح وشبكة النفوذ العسكرية والسياسية المرتبطة به.

وهنا تبدأ واحدة من أكثر صفحات التاريخ اليمني الحديث مأساوية.

حارب الحوثي… ثم تحالف معه

بين عامي 2004 و2010 خاضت الدولة في عهد صالح ست حروب ضد الحوثيين في صعدة. سقط الآلاف واستُنزف الجيش، وكانت الجماعة تقدم باعتبارها تمرداً مسلحاً على الدولة.

ثم تغير المشهد بعد خروج صالح من السلطة.

الرجل الذي قاتل الحوثيين وجد فيهم لاحقاً حليفاً ضد خصومه والنظام الذي خلفه، بينما وجد الحوثيون في صالح شيئاً ربما كان أثمن من آلاف المقاتلين: مفاتيح الدولة القديمة.

لم يكن الحوثي يعرف المؤسسة العسكرية اليمنية كما يعرفها رئيس حكمها لعقود، ولا يمتلك شبكة الولاءات المتراكمة داخل الجيش والأمن والقبائل.

وهنا كان التحالف بالغ الخطورة.

لم يكن مجرد تفاهم سياسي بين خصمين سابقين، بل التقاء جماعة تريد الاستيلاء على الدولة مع شبكة نفوذ داخل الدولة نفسها.

لم يعد الأمر مجرد اتهام سياسي

تقارير الأمم المتحدة تجعل تجاهل هذه الحقيقة صعباً.

فقد وثق فريق خبراء الأمم المتحدة معلومات عن مساعدة أنصار صالح للحوثيين أثناء توسعهم، وعن تسهيل تحركاتهم، ونقل عن مصادر أن دعم صالح وحزبه كان عاملاً بالغ الأهمية في نجاحهم.

والأمم المتحدة تصف أحداث سبتمبر 2014 بأن الحوثيين ووحدات متحالفة من القوات المسلحة استولوا على صنعاء وأجزاء أخرى من البلاد.

كما سجل مجلس الأمن لاحقاً أن تقدم الحوثيين نحو عدن حصل بمساعدة وحدات عسكرية موالية لصالح وابنه أحمد علي.

إذن نحن لا نتحدث عن رواية خصوم صالح فقط.

نحن أمام وقائع دخلت وثائق دولية.

ولهذا يمكن فهم وصف ما حدث، سياسياً وتاريخياً، بأنه خيانة للدولة: أن تُستخدم شبكة نفوذ بُنيت داخل مؤسسات الجمهورية لمساعدة جماعة مسلحة سبق للدولة نفسها أن حاربتها على إسقاط مؤسساتها.

صنعاء لم تسقط من الخارج فقط

هذا هو المفتاح لفهم الحرب.

الحوثي قبل صنعاء ليس الحوثي بعدها.

فحين سيطر على العاصمة لم يحصل على مبانٍ حكومية فقط، بل وقعت تحت سيطرته معسكرات ومخازن وأسلحة ومعدات وقدرات عسكرية.

وقد طالب قرار مجلس الأمن 2216 الحوثيين بتسليم الأسلحة التي استولوا عليها من المؤسسات العسكرية والأمنية، بما فيها منظومات صاروخية.

وهكذا تحولت جماعة كانت تقاتل الدولة إلى جماعة تقاتل لاحقاً بجزء من سلاح الدولة نفسها.

ولذلك فإن السؤال التاريخي ليس فقط:

كيف استطاع الحوثي احتلال صنعاء؟

بل:

كيف أصبح الطريق إلى صنعاء بهذه السهولة، ومن ساعد في فتحه؟

ليس كل انسحاب خيانة، ولا كل سقوط لمعسكر مؤامرة. الحروب تعرف الانسحاب والحصار وسوء القيادة وانقطاع الإمدادات.

لكن عندما تتزامن الانهيارات مع تحالفات ووحدات عسكرية موالية للرئيس السابق، يصبح تفسير ما حدث بقوة الحوثيين وحدها تفسيراً ناقصاً.

ثم دفع آخرون فاتورة ما حدث

هنا تبدأ المفارقة الأكثر قسوة.

الذين ساعدوا في فتح الطريق للحوثيين لم يكونوا بالضرورة هم الذين دفعوا لاحقاً ثمن مواجهتهم.

عندما توسع الحوثيون، قاتل ضدهم رجال من مأرب وتعز والجوف وغيرها، كما قاتل أبناء الجنوب في جبهات متعددة، وخاضت قوات العمالقة مواجهات قاسية وقدمت قتلى وجرحى، خصوصاً في الساحل الغربي ثم شبوة ومحيط مأرب.

ولا يجوز إنكار هذه التضحيات بسبب الخلاف السياسي.

لكن هناك دماً آخر لا يحظى دائماً بمكانه المستحق في سردية الحرب:

الدم الحضرمي.

لماذا كان الحضرمي يموت دفاعاً عن الشمال؟

من خارج اليمن يبدو هذا السؤال مشروعاً، بل ضرورياً.

حضرموت لم تصنع حرب صعدة.

ولم تكن طرفاً في صراع صالح والحوثيين.

ولم يشارك الحضارم في التحالف الذي فتح الطريق إلى صنعاء.

ومع ذلك خدم أبناء حضرموت ضمن تشكيلات عسكرية امتدت ساحات عملها إلى جبهات مواجهة الحوثيين، وسقط منهم رجال بعيداً عن مدنهم وقراهم.

أي أن دماً حضرمياً سال في حرب لم تكن حضرموت هي التي صنعت أسبابها.

وهذه ليست ملاحظة عاطفية.

فالجندي الذي يسقط بعيداً عن أرضه يترك أسرة ووالدين وأطفالاً وقرية تفقد واحداً من أبنائها.

ولهذا ينبغي ألا يذوب الشهيد الحضرمي داخل عبارة عامة مثل «خسائر الجيش».

له اسم.

وله أرض خرج منها.

وله قصة يجب أن توثق.

حضرموت كانت تخوض حربها أيضاً

والأكثر دلالة أن حضرموت لم تكن ترسل أبناءها إلى منظومة الحرب ضد الحوثيين بينما تنعم هي بالاستقرار.

تنظيم القاعدة سيطر على المكلا، وكان على الحضارم مواجهة خطر آخر داخل أرضهم.

وبرزت النخبة الحضرمية، المشكلة أساساً من أبناء المنطقة، في الحرب على التنظيم واستعادة المكلا وتأمين أجزاء من الساحل.

وهنا تظهر المفارقة بوضوح:

الحضرمي قاتل الإرهاب دفاعاً عن أرضه، وشارك في مواجهة الحوثي خارج أرضه.

قاتل في بيته، وقاتل من أجل غيره.

وعندما احتاجت الدولة إلى الموارد، كانت ثروة حضرموت حاضرة أيضاً.

وهذا يفرض سؤالاً لا يمكن اعتباره هامشياً:

إذا كانت حضرموت شريكاً كاملاً عندما تكون الفاتورة دماً وثروة، فلماذا يصبح حقها في إدارة شؤونها وأمنها ومواردها ومستقبلها محل مساومة عندما يحين وقت القرار؟

لا تجعلوا الجغرافيا حكماً على الرجال

ومع ذلك، من الخطأ تحويل هذه القراءة إلى إدانة للشمال كله.

شماليون كثيرون قاتلوا الحوثيين وسقطوا في مواجهتهم، وقاومت مأرب وتعز وقبائل ومناطق أخرى.

وكذلك لا يمكن اختصار كل البطولة في الجنوب.

الحقيقة أدق من ذلك.

كانت هناك شبكة سياسية وعسكرية مرتبطة بصالح لعبت دوراً موثقاً في تسهيل التوسع الحوثي، وفي المقابل كان هناك يمنيون من الشمال والجنوب وحضرموت يقاتلون ذلك التوسع ويدفعون ثمنه.

فالخيانة، إن ثبتت، مسؤولية أصحابها وليست هوية جغرافية لملايين البشر.

التاريخ يحتاج ملفين: من سلّم… ومن استشهد

اليمن يحتاج يوماً إلى فتح ملف 2014 كاملاً.

لا بخطابات الأحزاب، بل بأوامر العمليات وسجلات الوحدات وحركة الأسلحة وشهادات الضباط.

من قاتل؟

من انسحب؟

من أصدر الأوامر؟

كيف انتقلت المعسكرات والأسلحة؟

وما حجم الدور الحقيقي لشبكة صالح في سقوط صنعاء والمحافظات التي تلتها؟

وفي المقابل تحتاج حضرموت إلى ملف آخر:

سجل موثق لأبنائها الذين استشهدوا في مواجهة الحوثيين خارج حضرموت.

الاسم، والرتبة، والوحدة، والجبهة، ومكان وتاريخ الاستشهاد.

فعندما تُكتب الأسماء لن تعود التضحيات الحضرمية مجرد ادعاء سياسي؛ ستصبح وثيقة تاريخية لا يستطيع أحد محوها.

من الخارج تبدو المفارقة أشد وضوحاً

عندما يُنظر إلى الحرب اليمنية من خارج خصوماتها المحلية، تبدو الصورة شديدة القسوة:

رئيس سابق قاتل الحوثيين سنوات، ثم تحالف معهم بعد خروجه من السلطة.

شبكات عسكرية ساعدت في تغيير ميزان القوة.

جماعة مسلحة وصلت إلى العاصمة واستولت على جزء من ترسانة الدولة.

ثم انهار التحالف نفسه وقُتل صالح بأيدي الحوثيين عام 2017.

لكن مقتله لم يُعد الدولة.

فالأسلحة كانت قد انتقلت، والمؤسسات تفككت، والحوثي أصبح أقوى بكثير مما كان عليه عندما خرج من صعدة.

ثم جاء آخرون ليدفعوا الثمن.

ومن بينهم أبناء حضرموت.

وهنا ربما تكمن أقسى مفارقات الحرب:

بعض الذين ساهموا في فتح أبواب الدولة للحوثي كانوا يتصارعون على السلطة، بينما بعض الذين أُرسلوا لاحقاً لإغلاق تلك الأبواب بأجسادهم لم يكونوا شركاء أصلاً في فتحها.

ولهذا سيعود المؤرخ، مهما طال الزمن، إلى سبتمبر 2014 ويسأل:

من فتح الطريق؟

من ترك السلاح؟

من قاتل؟

ومن مات؟

ومن صنع الكارثة؟

ومن دفع ثمنها؟

وعندما تُفتح الوثائق كاملة، يجب أن تكون لحضرموت صفحتها المستقلة.

صفحة تقول إن أبناءها قاتلوا الإرهاب على أرضهم، وإن رجالاً منهم سال دمهم في مواجهة الحوثي بعيداً عنها، في حرب لم تكن حضرموت هي التي صنعت أسبابها.

وحينها يصبح السؤال مشروعاً:

إذا كان الدم الحضرمي قد سال دفاعاً عن الشمال، فمن يحفظ لحضرموت حقها في مستقبل أرضها؟

فالسياسي يستطيع تغيير روايته وتحالفاته.

والمنتصر يستطيع كتابة روايته.

والمهزوم يستطيع اختراع أعذاره.

أما الدم فلا يغيّر شهادته.

بقلم: مهندس صالح بن سعيد المرزم
2 أكتوبر 2026

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.