من النداء إلى العمل…

من النداء إلى العمل…
كيف يحاسب الحضارم قياداتهم؟
في مقالي السابق «يا حضارم… هذا وقتكم، فلا تورّثوا أبناءكم الندم!»، دعوت إلى توحيد الكلمة، وجمع الجهود، وبناء مشروع حضرمي واضح يحمل مطالب أهل حضرموت إلى حيث يُناقَش مستقبلهم. وقد طرح بعض الإخوة تساؤلًا مهمًا يستحق أن يُستكمل به ذلك النداء: ما وسائل الضغط المؤثرة التي تدفع قيادات المشروع السياسي الحضرمي، في التنسيقي والجامع وغيرهما، إلى اتخاذ خطوات عملية لتحريك القضية وحق أهل حضرموت في تقرير مصيرهم؟
هذا تساؤل مشروع يضع مسؤولية التنفيذ في صلب النقاش. فإذا كنا نطالب الحضارم بالاجتماع، فمن حقهم أن يسألوا القيادات: ما الذي فعلتموه لتحقيق هذا الاجتماع؟ وما الذي يمنعكم؟ ومتى يستطيع الناس أن يروا نتيجة واضحة؟
لقد قلت في المقال السابق: «اتحدوا، وساعدوا أنفسكم لكي يساعدكم الآخرون». وأضيف اليوم أن مساعدة النفس تبدأ حين تصبح المطالب الشعبية منظمة، وحين تعرف كل قيادة أن تمثيل حضرموت مسؤولية تخضع للمساءلة، وأن الثقة تحتاج إلى إنجاز يحفظها.
مطالب محددة يستطيع الناس متابعة تنفيذها
أرى أن البداية تكون بمبادرة حضرمية سلمية ومعلنة، يشارك في صياغتها أهل القانون والشخصيات الاجتماعية والقوى المدنية والاقتصادية والشباب والنساء وأبناء المهجر. وتتوجه هذه المبادرة إلى جميع المكونات بمطالب قليلة وواضحة، يمكن قياس الاستجابة لها.
أول هذه المطالب دعوة مشتركة إلى اجتماع حضرمي جامع، بتمثيل متوازن لكل حضرموت – الساحل والوادي والصحراء، يتفق على وثيقة مختصرة تحدد الحقوق المطلوبة، وعلى آلية لاختيار وفد مفوض، وضوابط تحكم عمله وتلزمه بالرجوع إلى أهل حضرموت في القرارات المصيرية.
ولكي لا تبقى الدعوة معلقة، يمكن أن تقترح المبادرة ثلاثين يومًا لإعلان مواقف المكونات وتسمية ممثليها في لجنة تحضيرية، وستين يومًا لعقد الاجتماع، وتسعين يومًا لإعلان الوثيقة وخطة العمل. وهذه مدد مقترحة للنقاش، لكن الأساس أن تكون هناك مواعيد معلنة، وأسباب واضحة لأي تأخير، ومسؤولية محددة عن التنفيذ.
فالناس تستطيع أن تتابع موعدًا ومهمة ونتيجة. أما الوعود المفتوحة فتجعل الانتظار حالة دائمة.
أن يعرف الناس من يستجيب ومن يعطّل
وسيلة الضغط الثانية هي إعلان مواقف القيادات من هذه المطالب. تُرسَل المبادرة إلى كل مكون، ويُنشر رده كما ورد، ويُتاح له شرح اعتراضاته واقتراح بدائله. ومن لا يرد، يُعلَن أنه لم يقدم ردًا حتى الموعد المحدد، دون افتراض دوافعه أو إطلاق الاتهامات عليه.
بهذه الشفافية يستطيع الناس التمييز بين خلاف يمكن معالجته وتعطيل يحتاج إلى مساءلة. ويصبح السؤال موجهًا إلى كل قيادة بصورة مباشرة: هل توافقون على الاجتماع؟ وإن كنتم تعترضون، فما البديل الذي تقترحونه، ومتى تنفذونه؟
ومن يستجيب ويعمل يستحق المساندة. ومن يتأخر يتحمل مسؤولية تفسير تأخره أمام من يطلب تمثيلهم.
إعلام يتابع الإنجاز
للإعلام الحضرمي ومنصات التواصل دور أساسي في تحويل هذه المطالب إلى نقاش عام مستمر. ويستطيع أن يخصص لقاءات دورية تسأل القيادات عن المهام التي التزمت بها، وتنشر ما تحقق وما تعثر، وتتيح للناس طرح أسئلتهم.
وتزداد قوة هذه المتابعة حين تستند إلى وثائق وتصريحات ومواعيد معلنة. فالتجريح الشخصي يوسع الخصومات، بينما تكشف المساءلة الدقيقة موضع الخلل وتفتح باب إصلاحه.
ومن المفيد إنشاء منصة متابعة علنية، يشرف عليها فريق يحظى بالثقة، تعرض مراحل المبادرة ومحاضر الاجتماعات المتفق على نشرها، وتوضح أسباب التأخير. عندها يستطيع المواطن أن يعرف أين وصلت قضيته، ومن يحمل مسؤولية الخطوة التالية.
الدعم مرتبط بالتقدم والشفافية
كذلك يملك الداعمون من رجال الأعمال وأبناء المهجر والشخصيات الاجتماعية وسيلة تأثير مهمة: أن يربطوا دعمهم السياسي والإعلامي والمالي للمكونات بالتزام واضح بالمشروع الجامع، وشفافية في استخدام الموارد، وتقدم يمكن التحقق منه.
ويُعلن هذا المبدأ مسبقًا ويُطبق على الجميع بمعايير واحدة. فالدعم المخصص للعمل السياسي ينبغي أن يساعد على جمع الصف، وإعداد الملفات، وبناء القدرة على التفاوض، وأن يعرف أصحابه أثر مساهماتهم.
أما مصالح المواطنين واحتياجاتهم الأساسية، فيجب أن تبقى مصونة من التنافس بين المكونات.
تفويض يحدد صلاحيات القيادة ويتيح محاسبتها
السؤال الأهم يظل: من فوّض الممثلين، وما حدود تفويضهم؟
إن بناء تمثيل موثوق يحتاج إلى قواعد معلنة لاختيار الممثلين، ومدة محددة لمسؤولياتهم، والتزام بإبلاغ الناس بما ينجزونه. كما يحتاج إلى آلية لمراجعة التفويض أو سحبه وفق إجراءات متفق عليها إذا أخلّ صاحبه بالتزاماته.
وللمحامين والقانونيين هنا دور محوري في توثيق القضية، وصياغة المطالب، ودراسة المسارات القانونية والسياسية الممكنة، وتحديد القرارات التي يستطيع الوفد التفاوض بشأنها، والقرارات التي تتطلب الرجوع إلى أهل حضرموت.
وحق تقرير المصير يحتاج إلى عمل يوضح كيف تُعبَّر إرادة الناس بحرية، وكيف يُضمن تمثيلهم، وكيف تُحمى حقوق جميع السكان ضمن أي تصور للمستقبل.
مسؤولية يتحملها الجميع
ومن موقع المناصر لقضية حضرموت، أرى أن الضغط السلمي المنظم يكتسب قوته من وضوح مطالبه وعدالة إجراءاته واستمرار متابعته. لذلك ينبغي أن تبقى المبادرة مفتوحة للمكونات التي تستجيب لاحقًا، وأن تمنح المختلفين فرصة حقيقية لتقديم حلولهم.
وأرى أيضًا أن العلاقة الاستراتيجية مع المملكة العربية السعودية تستحق أن يحملها طرف حضرمي واضح التفويض، يعرف مطالبه، ويستطيع الوفاء بالتزاماته، ويجعل أمن أهل حضرموت وتنميتهم وحقوقهم أساس مشروعه. فثقتنا بأشقائنا تزيد مسؤوليتنا عن ترتيب بيتنا وجمع كلمتنا.
يا حضارم، كان مقالي السابق نداءً لاغتنام الفرصة، وهذا المقال دعوة إلى وضع ذلك النداء موضع التنفيذ: مطالب مكتوبة، ومواعيد معلنة، ومتابعة مستقلة، ودعم مرتبط بالإنجاز، وتمثيل يخضع للمحاسبة.
ولكل قيادة حضرمية أقول: قدموا للناس الخطوة التي تستطيعون إنجازها الآن، وحددوا موعدها، وافتحوا باب المشاركة في تنفيذها. ولأهل حضرموت أقول: ساندوا من يعمل، واسألوا من يتأخر، ونظّموا إرادتكم كي يكون لصوتكم أثر مستمر.
هذا وقتكم… واجعلوا اجتماعكم على الحقوق بداية عمل يمكن لأبنائكم أن يروا ثماره، فلا تورّثوهم الندم.
بقلم: مهندس صالح بن سعيد المرزم
الأربعاء 8 أكتوبر 2026م

