كذبة 14 أكتوبر

كذبة 14 أكتوبر
يوم صُنعت به شرعية الاستيلاء على الجنوب وحضرموت
لم تكن كذبة 14 أكتوبر في إنكار مقاومة الاستعمار أو رحيله؛ بل في صناعة رواية زُوّرت تفاصيلها، ثم استُخدمت لتمنح طرفًا سياسيًا شرعية الاستيلاء على الجنوب وحكمه باسم الثورة.
لقّنوا أجيالًا أن الثورة انطلقت من جبال ردفان يوم 14 أكتوبر، وأن راجح بن غالب لبوزة فجّرها في مواجهة الإنجليز. لكن الرواية التي تكشفها الوثائق والشهادات المتداولة تقول إن لبوزة قُتل يوم 13 أكتوبر في اشتباك مع جيش الاتحاد، لا في معركة مع الإنجليز. لم تكن القوات البريطانية طرفًا في ذلك الاشتباك؛ ومع ذلك حُوّل مقتل الرجل إلى مشهد افتتاحي لثورة ضد بريطانيا، وأُلبست الواقعة معنى سياسيًا أكبر من حقيقتها.
وكان عبد الناصر قد شجّع القوميين على تبنّي الكفاح المسلح، ووفّرت القاهرة لهم الدعم السياسي والمنبر الإعلامي. وفي اليوم التالي لمقتل لبوزة، كان قحطان الشعبي في القاهرة، حيث أُعلن مقتله بوصفه شهيدًا في الثورة، في مؤتمر صحفي قيل إن المخابرات المصرية رتّبته. هكذا لم يكن 14 أكتوبر، وفق هذه الرواية، يوم انطلاق ميداني كما لقّنوا الناس، بل يوم إعلان سياسي صيغت حوله رواية الثورة: واقعة محلية، شجّع عبد الناصر تحويلها إلى مشروع سياسي، ثم إعلان إعلامي تحوّل إلى شعار وراية واحتفال، حتى صار التشكيك فيه تهمة.
والقصاصات المرفقة من صحيفة «صوت الجنوب»، الصادرة في 20 أكتوبر 1963، تفتح بابًا لا تستطيع الخطب السنوية إغلاقه. فهي تتحدث عن معركة في جبال القطيبي ومقتل الشيخ راجح بن غالب القطيبي، وتعرض رواية عن صدام مع قوات الاتحاد. هذه مادة صحفية قريبة من زمن الحدث، وتدعو إلى مقارنة ما كُتب حينها بما استقر لاحقًا في الرواية الرسمية. وهي لا تحسم وحدها كل تفصيل، لكنها تجعل نشر البيان الأصلي كاملًا ومقارنته بالصحف والسجلات والشهادات أمرًا لا مفر منه.
إن تسمية ما جرى «ثورة ضد الاستعمار» لا تبرر تحويل كل مواجهة إلى معركة مع الإنجليز، ولا تمنح حزبًا واحدًا حق احتكار تضحيات الناس. نعم، خرج البريطانيون من عدن عام 1967؛ لكن رحيل الاستعمار لا يمحو السؤال عمّا حدث بعده، ولا يجعل كل ما وقع باسم الثورة تحريرًا لكل أبناء الجنوب.
هنا تكمن الخديعة الأكبر: لم تتوقف الحكاية عند يوم جرى تثبيته في الذاكرة؛ بل تحولت الذكرى إلى صك شرعية. باسمها أُسقطت سلطنات حضرموت، وأُلغيت كياناتها ومؤسساتها، وأُلحقت حضرموت قسرًا بدولة الجنوب الجديدة، من دون أن يُمنح أهلها حقًا واضحًا في اختيار مستقبلهم. فكيف يُسمى ذلك تحريرًا إذا خرج شعب من سلطة أجنبية ليجد نفسه داخل دولة لم يخترها، وتُمحى دولته وخصوصيته باسم وحدة فُرضت عليه؟
وماذا بقي للناس من تلك الوعود؟ ستة عقود مرّت، وما زال الجنوب يدفع ثمن صراعات السلطة والانقلابات والاقتتال. ويتداول الناس أرقامًا تتجاوز اثني عشر ألف قتيل في صراعات الفصائل، مقابل نحو 92 قتيلًا عسكريًا بريطانيًا خلال سنوات الطوارئ. لكن هذه الأرقام لا يجوز جمعها أو مقارنتها من دون توثيق يحدد الفترات والفئات ومصادر الإحصاء. فالمتحف الوطني للجيش البريطاني يورد نحو 90 إلى 92 قتيلًا عسكريًا بريطانيًا و510 جرحى، أما الأرقام الأخرى المتداولة فتحتاج إلى سجلات مستقلة تثبتها.
ليس المطلوب أن نستبدل رواية مقدسة بأخرى، بل أن نكف عن تقديس الروايات. المطلوب أن تُنشر الوثائق كاملة، وأن يُسأل من كتب التاريخ الرسمي: لماذا ثُبّت يوم 14 أكتوبر؟ من استفاد من تحويل مقتل لبوزة إلى لحظة تأسيس؟ ولماذا صار الاحتفال بالثورة غطاءً للصمت عن سقوط دول حضرموت وضمّها من دون إرادة أهلها؟
إن 14 أكتوبر، كما رُويت للأجيال، كذبة سياسية استُخدمت لصناعة شرعية طرف استولى على الجنوب باسم التحرير. ومواجهة هذه الكذبة لا تعني إنكار الاستعمار أو إهانة من قاوموه؛ بل تعني إنصاف الحقيقة ولبوزة وحضرموت، ورفض تحويل تضحيات الناس إلى تفويض مفتوح لحكمهم ومصادرة قرارهم.
فالذكرى التي تخاف من الوثيقة ليست تاريخًا وطنيًا؛ إنها رواية سلطة. والتحرير الذي لا يمنح الشعوب حق اختيار مصيرها لا يكتمل بمجرد تغيير الراية.
بقلم: مهندس صالح بن سعيد المرزم
13 اكتوبر 2026

