الحنان تحت الشبهة

الحنان تحت الشبهة
لا أعرف متى صار الإنسان الذي لا يهتم أكثر جاذبية من الإنسان الذي يهتم، ومتى أصبح تأخير الرد مهابة، والاختفاء غموضًا، وكتمان الشوق اتزانًا، بينما صار من يقول بوضوح: «اشتقت إليك» مطالبًا بالدفاع عن كرامته.
كأننا اتفقنا، من غير اجتماع، على أن القلب كلما قلّ ظهوره ارتفعت قيمته.
نقول عن أحدهم: ثقيل، فنمدحه، لا يسأل كثيرًا، لا يلاحق، لا يشرح، لا يبدو متأثرًا، ثم نضيف بإعجاب: «عنده كرامة»، أما الذي يسأل لأن الغياب أقلقه، ويبادر لأنه يحب، ويُظهر امتنانه لأن وجود الآخر يعني له شيئًا، فنبدأ في تحذيره من نفسه، لا تعطِ كثيرًا، لا تُظهر اهتمامك، لا تجعله يضمنك، اختفِ قليلًا حتى يشتاق.
وكأن الحب أصبح لعبة تسعير، كلما قلّ المعروض ارتفعت القيمة.
ربما لأن البرود يمنح صاحبه وهم السيطرة، من يحب أقل يبدو أقل عرضة للخسارة، ومن ينتظر الرسالة أقل يبدو كأنه الطرف الأقوى، ومن يستطيع أن ينام بينما الآخر يتقلب في الأسئلة يفوز، لا أدري بماذا تحديدًا، لكنه يفوز وفق قوانين تلك المباريات العاطفية التي اخترعناها ثم صدقنا أنها علاقات.
نحن نخشى الحنان لأنه يكشفنا.
فالذي يقول «أحبك» يضع شيئًا من كرامته بين يدي شخص آخر، والذي يقول «احتجتك» يعترف بأنه ليس جزيرة، والذي يسأل «هل أنت بخير؟» يكشف أن الآخر قادر على التأثير فيه، وهذه الاعترافات الصغيرة تخيف الإنسان أكثر مما يظن، ولذلك يبدو البرود أحيانًا أكثر أمانًا، ليس لأنه قوة، بل لأنه لا يعرّض صاحبه لاحتمال أن يُرفض وهو مكشوف القلب.
ولعلنا لهذا نخلط بين الكبرياء والبرود، كما نخلط بين الحنان والضعف.
مع أن أكثر الناس حنانًا قد يكونون أشدهم قدرة على الرحيل حين تُهان كرامتهم، وأكثر الناس صمتًا قد يكون صمتهم خوفًا لا هيبة، فليس كل من امتنع عن التعبير متزنًا، ولا كل من عبّر متعلقًا، أحيانًا يكون الواضح أكثر شجاعة، لأنه يقول ما يشعر به من غير أن يختبئ خلف لعبة «من يهتم أقل».
العجيب أننا حين نتخيل العلاقة التي نريدها حقًا، لا نطلب شخصًا باردًا.
نريد من يلاحظ تغيّر صوتنا، من يسأل حين نصمت، من يتذكر التفاصيل الصغيرة، من يفرح بعودتنا، من يقول لنا إننا مهمون من غير أن نضطر كل ليلة إلى فك شيفرة تصرفاته، نريد الطمأنينة، ثم إذا جاءنا إنسان يمنحها بسهولة، ارتبكنا.
ربما لأنه لم يجعلنا نطاردها.
لقد علّمتنا حكايات كثيرة أن الحب العظيم يجب أن يكون صعبًا، أن الرجل المثير هو الذي لا يُقرأ بسهولة، وأن المرأة الأكثر جاذبية هي التي تخفي مشاعرها، وأن الوصول إلى قلب أحدهم ينبغي أن يشبه اقتحام قلعة، حتى صرنا أحيانًا نشك في كل باب يُفتح لنا من تلقاء نفسه.
هل كان الأمر بهذه السهولة؟
نسألها وكأن السهولة تهمة.
لكن الحنان ليس أن تلغي نفسك لأجل أحد، ولا أن تتسامح مع الإساءة، ولا أن تجعل يومك كله معلقًا برسالة، هذه ليست فضائل الحب، بل اختلالات قد ترتدي ثيابه، الحنان شيء أبسط وأصعب في آن، أن يكون قلبك حاضرًا من غير أن يكون مستعبدًا، وأن تقول «أحبك» من موقع الامتلاء لا التسول، وأن تستطيع الاقتراب من الآخر من غير أن تضيع المسافة التي تحفظك أنت.
أما البرود، فليس دائمًا قوة كما نحب أن نتخيل.
قد يكون أحيانًا خوفًا مدربًا جيدًا، شخصًا جُرح قديمًا فقرر ألا يمنح أحدًا فرصة الاقتراب، أو إنسانًا تعلّم أن التعبير يجعل صاحبه عرضة للسخرية، أو شخصًا لا يعرف كيف يقول «أنا أخاف أن أفقدك»، فيقول بدلًا منها: «براحتك».
وتبدو الثانية أكثر كبرياءً، لكنها ليست دائمًا أكثر صدقًا.
ربما المشكلة أننا أصبحنا نقيس قوة الإنسان بمقدار ما يستطيع الاستغناء، مع أن الحياة لا تُبنى بالاستغناء وحده، نحن نحتاج، ونحب، ونشتاق، ونعتاد أصواتًا ووجوهًا وأماكن، وليس في ذلك ما ينتقص من كرامتنا، الكرامة لا تعني ألا تحتاج أحدًا، بل ألا تقبل الإهانة مقابل حاجتك إليه.
ثمة فرق هائل بينهما.
ليس البطولة أن تكون الشخص الذي لا يشعر، ولا أن تُتقن فن الاختفاء حتى يبحث عنك الناس، البطولة الأهدأ أن تبقى قادرًا على الحنان في عالم يعلّمك باستمرار أن تخفيه، أن تقول الكلمة الطيبة من غير أن تحسب كم سترفع أو تخفض من قيمتك، وأن تحب من غير ألعاب صغيرة لإثبات أنك تستطيع الرحيل.
فالذي يستطيع الرحيل ليس بالضرورة قويًا، والذي يستطيع البقاء ليس بالضرورة ضعيفًا.
وأحيانًا يكون أكثر البشر قوة ذلك الذي يعرف أن قلبه يمكن أن يُجرح، ومع ذلك لا يحوّله إلى حجر.
ربما لهذا نحن لا نخاف الحنان لأنه ضعيف، بل لأنه صادق أكثر مما نحتمل، فالبرود يترك لنا دائمًا مهربًا، أما الحنان فيضعنا أمام حقيقة بسيطة ومربكة:
أننا، مهما ادّعينا الاكتفاء، نريد في النهاية شخصًا لا يخجل من أن يقول لنا: وجودك يعني لي شيئًا.
أماني بنت عبدالله البهكلي
كاتبة رأي
