كُتاب الرأي
دليلة المحتالة

دليلة المحتالة
حين كان الذكاء مهنة امرأة
أماني عبدالله البهكلي
في الحكايات القديمة، كثيرًا ما كانت المرأة الجميلة تُمنح مرآة، والعاشقة تُمنح نافذة تنتظر عندها، والملكة تُمنح تاجًا، أما دليلة فقد منحتها الحكاية عقلًا حادًا، ثم تركتها تمشي به في مدينة ممتلئة برجال يظنون أن الحيلة لا تسكن إلا رؤوسهم.
إنها دليلة المحتالة، إحدى شخصيات «ألف ليلة وليلة» التي لا نعرف كيف سيكون وجهها لو مرّت بنا في الطريق، لكننا نعرف جيدًا كيف يعمل عقلها، وهذا في الأدب القديم امتياز نادر، فالنساء كثيرًا ما وصلتنا أوصاف عيونهن وشعورهن وقدودهن، أما دليلة فوصلتنا حيلها.
دليلة ليست بطلة بالمعنى النبيل للكلمة، ولا ينبغي أن نجمّلها حتى تصبح ما لم تكنه، إنها تخدع وتحتال وتستغل ضعف الآخرين، لكن الغريب أننا ونحن نقرأ أخبارها لا نجد أنفسنا أمام شريرة ثقيلة الظل، بل أمام شخصية شعبية مراوغة، تجعل القارئ أحيانًا ينسى الجريمة ليتأمل براعة التنفيذ.
دليلة تعرف البشر، وتلك، في الحقيقة، أخطر موهبة امتلكتها.
فليس المحتال من يجيد الكذب فحسب، وإنما المحتال البارع هو من يعرف أي حقيقة ناقصة يريد الآخر أن يسمعها، ثم يضع أمامه نصفها ويتركه يكمل النصف الآخر بنفسه.
لا تحتاج دليلة دائمًا أن تقنع الرجل بأنه أحمق، يكفيها أن تقنعه بأنه ذكي، ثم تترك غروره يقوم ببقية العمل.
وهنا تقترب شخصيتها من حكمة الأدب القديم الذي طالما حذّر الإنسان من أن عدوه قد يدخل إليه من الباب الذي يحبه في نفسه، فالطامع يُؤتى من طمعه، والمغرور من غروره، والعاشق من هواه، ومن أحب المديح لم يحتج خصمه إلى سيف، بل إلى لسان حسن.
ودليلة كانت تعرف أبواب الناس.
لم تكن قوتها جسدية، ولم يكن وراءها جيش يحميها ولا سلطان يفتح لها الأبواب، لذلك صنعت سلطتها من المادة الوحيدة التي لا يستطيع أحد انتزاعها منها: الفطنة.
تغيّر هيئتها، وتختار كلماتها، وتعرف متى تبدو ضعيفة، ومتى تتظاهر بالثقة، ومتى تستثير الشفقة، والأهم أنها تمنح ضحيتها شعورًا زائفًا بأنها هي التي تسيطر على الموقف.
وهذه ربما أجمل حيلها؛ أن المخدوع لا يشعر بأنه يُقاد، يمشي إلى الفخ برجليه، ويفتح بابه بيده، ثم يستيقظ متأخرًا على حقيقة قديمة جدًا: أن بعض الأقفاص لا تُغلق على الإنسان من الخارج، بل يدخلها لأنه أعجبه شكل الباب.
ومع ذلك، فإن قراءة دليلة بوصفها مجرد «امرأة ذكية هزمت الرجال» قراءة فقيرة، فالاحتيال لا يصبح فضيلة لأن امرأة مارسته، كما أن الذكاء لا يمنح صاحبه براءة أخلاقية، ودليلة ليست نموذجًا يُحتذى بقدر ما هي نموذج يُتأمل.
إنها تكشف منطقة رمادية من النفس البشرية، يختلط فيها الإعجاب بالبراعة مع النفور من الفعل، فنضحك للحيلة ثم نتذكر أن أحدًا وقع ضحيتها، ونندهش من سرعة البديهة ثم نسأل: ماذا لو وُضع هذا العقل في طريق آخر؟
وفي دليلة شيء شديد الحداثة رغم قِدم الحكاية؛ إنها تفهم الصورة، وتفهم أن الناس لا يتعاملون دائمًا مع حقيقتك، وإنما مع الصورة التي كوّنوها عنك، ولذلك لا تقول للآخرين: هذه أنا، بل يبدو كأنها تسأل في سرها: من تريدونني أن أكون؟ ثم تصبحها للحظات.
وهذا ما يجعلها مخيفة، لأن الخداع لا يبدأ دائمًا بالكذب، بل قد يبدأ عندما يقرأ شخص توقعاتنا ثم يرتديها أمامنا.
من يبحث عن الحب سيصدق الحب سريعًا، ومن يبحث عن الاعتراف بمكانته يسهل اصطياده بالمديح، ومن يريد الثراء السريع قد يصدق الوعد المستحيل، ومن يظن نفسه عصيًا على الخداع ربما كان أكثر الناس استعدادًا له، لأن الحذر يسقط حين يعتقد صاحبه أنه أذكى من أن يُخدع.
ولهذا تبدو دليلة، رغم أنها قادمة إلينا من ليالي الحكايات القديمة، امرأة تعرف شيئًا عن عصرنا، تغيرت الملابس والوسائل، لكن الثغرات البشرية بقيت كما هي: الحاجة، والغرور، والخوف، والطمع، والوحدة، والرغبة العميقة في أن يكون ما نتمناه صحيحًا.
ولعل هذه هي الحكمة التي تختبئ خلف حيل دليلة وضحكات الحكاية:
لا تخشَ دائمًا من يبدو أقوى منك، بل انتبه أكثر لمن يعرف عنك ما الذي تتمنى أن تصدقه.