(لماذا أصبح الاعتذار أصعب من القطيعة؟)

(لماذا أصبح الاعتذار أصعب من القطيعة؟)
أماني عبدالله البهكلي
تعلمنا الاستقلال، وهذا ضروري.
تعلمنا ألّا نتعلق بمن لا يريدنا، وهذا حكيم.
لكننا ربما نسينا أثناء ذلك درسًا قديمًا جدًا:
ليس كل خلاف إساءة.
وليس كل جرح خيانة.
وليس كل إنسان أخطأ في حقنا عدوًا.
وليس كل تنازل عن العناد تنازلًا عن الكرامة.
هناك علاقات كان يمكن أن تعيش لو قال أحد الطرفين جملة واحدة في الوقت المناسب.
لا خطابًا طويلًا.
ولا قصيدة.
ولا هدية.
فقط:
(فهمت الآن لماذا جرحتك. كنت مخطئًا).
كم يبدو الأمر بسيطًا بعد سنوات.
وكم كان مستحيلًا في تلك اللحظة.
وما يؤلمني أكثر ليس العلاقات التي انتهت بعد اعتذار، بل تلك التي انتهت والاثنان يعرفان في أعماقهما أن النهاية لم تكن ضرورية.
كل واحد منهما كان ينتظر الآخر.
كل واحد منهما كان يفتح المحادثة أحيانًا، ثم يغلقها.
كل واحد منهما كان يستطيع أن يكتب.
لكن لا أحد كتب.
مر يوم.
ثم أسبوع.
ثم شهر.
ومع مرور الوقت، لم يعد الصمت مجرد صمت.
صار جدارًا.
ثم أصبح الرجوع محرجًا، والماضي بعيدًا، واعتاد الاثنان الغياب.
وهكذا لا تنتهي بعض العلاقات لأن الحب انتهى.
تنتهي لأن الكبرياء كان أكثر صبرًا من الحب.
وأظن أن هذه واحدة من أكثر نهايات العلاقات حزنًا:
أن يستطيع شخصان إنقاذ شيء جميل، ثم يقف كل منهما في جهة، منتظرًا أن يكون الآخر أكثر شجاعة.
الاعتذار ليس انحناءً؛
إنه أن تنظر إلى إنسان آذيته، وتمنحه شيئًا نادرًا جدًا:
أن تعترف بألمه كما عاشه.
ألّا تناقشه في مقدار وجعه.
ألّا تخبره بأنه كان ينبغي أن يتألم أقل.
ألّا تجعل نيتك الطيبة أهم من تجربته السيئة.
أن تقول:
لم أرد أن أؤذيك، لكنني فعلت.
وهناك فرق هائل بين الجملتين.
ربما لهذا يكون الاعتذار من أكثر الأفعال الإنسانية نضجًا؛ لأنه يجمع أمرين يصعب اجتماعهما:
أن أحافظ على قيمتي، وأعترف بخطئي.
أن أعرف أنني إنسان جيد، ومع ذلك فعلت شيئًا سيئًا.
أن أحب نفسي، من دون أن أبرئها دائمًا.
وأن أحبك، من دون أن أطالبك بأن تكون دائمًا الطرف الذي يفهم ويسامح ويتجاوز.
أحيانًا أفكر في عدد الأشخاص الذين خرجوا من حياة بعضهم بسبب كلمة لم تُقل.
وفي عدد الهواتف التي تحمل حتى اليوم أرقامًا لا تُطلب.
وفي عدد الرسائل التي كُتبت ثم مُسحت.
وفي عدد المرات التي قال فيها إنسان لنفسه قبل النوم:
(لو أنه اعتذر فقط…)
بينما كان الإنسان الآخر، في مكان ما، يفكر:
(لو أنه عرف فقط أنني نادم…)
وبين الجملتين تضيع أعمار صغيرة من العلاقات.
لذلك، ربما لا يكون السؤال:
لماذا أصبح الاعتذار أصعب من القطيعة؟
بل:
كيف وصلنا إلى زمن أصبح فيه فقدان إنسان كامل أهون علينا من فقدان صورتنا الكاملة عن أنفسنا؟
نحن لسنا كاملين.
ولن نكون.
سنقول الكلام الخطأ، ونسيء الفهم، ونقسو أحيانًا على من لا يستحق القسوة. سنُخيِّب أناسًا أحبونا، وسيخيبوننا.
ولعل النضج ليس أن نعيش حياة لا نخطئ فيها، فهذا مستحيل؛ بل أن نبلغ من الشجاعة حدًّا لا نحتاج معه، في كل مرة نخطئ فيها، إلى دفن علاقة كاملة حتى لا نقول:
أنا آسف.
كاتبة رأي