كُتاب الرأي
لماذا نشتاق إلى أزمنة لم نعشها؟

لماذا نشتاق إلى أزمنة لم نعشها؟
أماني عبدالله البهكلي
عن النوستالجيا المتخيّلة… والحنين إلى ذكريات ليست لنا
ثمة حنين لا أعرف كيف أفسّره.
أرى صورة قديمة لشارع في بيروت في الستينيات، نساء يعبرن الرصيف بمعاطف طويلة، رجل يقف أمام مكتبة، سيارات بألوان باهتة، لافتات متعبة قليلًا، فأشعر بشيء يشبه الفقد.
لكنني لم أكن هناك.
أسمع حكاية عن بيوت كانت أبوابها تُترك مفتوحة بعد العصر، وعن جارات يتبادلن الصحون، وعن رسائل كانت تسافر أيامًا كي تصل، وعن صور عائلية لم يكن أحد يعيد التقاطها عشرين مرة بحثًا عن الصورة المثالية، فأشعر أنني أفتقد شيئًا.
ولكن كيف أفتقد شيئًا لم أملكه؟
كيف يحن الإنسان إلى شارع لم يمشِ فيه، وإلى بيت لم يسكنه، وإلى زمن لم يستيقظ في صباحاته أصلًا؟
ولماذا قد تنظر فتاة وُلدت في عصر الهاتف الذكي إلى صورة امرأة من خمسين عامًا، تجلس قرب نافذة وبجوارها مذياع، وتفكر للحظة غريبة:
ليتني عشت هناك؟
هذا الشعور ليس نادرًا كما نظن.
إنه أحد أكثر أشكال الحنين غرابة؛ أن تصبح لدينا ذكريات عاطفية عن زمن لا توجد لنا فيه ذاكرة.
أن نفتقد الماضي الذي لم يكن ماضينا.
ذكريات لم تحدث لنا
نحن نعتقد عادة أن الحنين يحتاج إلى تجربة.
لا بد أن تعيش الشيء أولًا حتى تفتقده.
رائحة بيت جدتك.
طريق المدرسة.
كرتون العصر.
صوت باب البيت القديم.
علبة حلوى اختفت من الأسواق.
هذه أشياء مفهومة، لأن وراءها ذاكرة شخصية.
لكن الإنسان يستطيع أن يشعر بشيء قريب جدًا من الحنين تجاه زمن سبق ميلاده بعشرين أو خمسين أو مئة سنة.
وقد وُصفت هذه الحالة في الكتابات الحديثة بمصطلحات مثل الحنين التاريخي أو النوستالجيا المتخيّلة؛ حنين لا يتجه إلى ماضينا الشخصي، بل إلى صورة ذهنية لماضٍ جمعنا من الكتب والصور والأفلام وحكايات الآخرين.
نحن لا نتذكر ذلك الزمن.
نحن نتخيله.
لكن المدهش أن المشاعر التي يثيرها الخيال قد تكون حقيقية تمامًا.
فالإنسان لا يعيش بالوقائع وحدها.
نحن مخلوقات قصص أيضًا.
نستطيع أن نبكي على شخصية لم توجد، ونخاف أثناء فيلم ونحن نعرف أن الممثل سيعود إلى بيته بعد التصوير، ونشتاق إلى مدينة لم نزُرها.
فلماذا نستغرب أن نشتاق إلى زمن لم نعشه؟
الماضي الذي يصل إلينا ليس الماضي كاملًا
المشكلة أن الماضي لا يصل إلينا كما كان.
يصل بعد أن تتم تصفيته.
نرى أجمل الصور.
نسمع أطرف الحكايات.
تبقى الأغاني التي أحبها الناس، والفساتين التي بدت جميلة، والمقاهي التي كان لها سحر، والرسائل التي استحقت أن تُحفظ.
أما الأيام العادية جدًا؟
اختفت.
الانتظار الممل، والمرض، والفقر، والقيود الاجتماعية، والظلم، والمشكلات التي لم تكن لها حلول، والبيوت الحارة قبل المكيفات، والأسفار الشاقة، والخوف من أمراض أصبحت اليوم بسيطة العلاج…
هذه الأشياء نادرًا ما تظهر في ألبوم النوستالجيا.
نحن نشاهد الماضي بعد أن قام الزمن بتحريره.
حذف مشاهده الرديئة، واحتفظ بأفضل اللقطات.
ولهذا يبدو جميلًا.
الصورة القديمة لا تخبرك أن المرأة الأنيقة التي تعجبك ربما لم تكن تملك نصف الخيارات التي تملكينها اليوم.
والرسالة الرومانسية المكتوبة بالحبر لا تخبرك عن قلق صاحبتها وهي تنتظر أسبوعين حتى يصل الرد.
والقرية الهادئة التي تبدو في الصورة كالحلم لا تخبرك كم كان الوصول إلى طبيب منها صعبًا.
الماضي لا يكذب علينا.
لكن الصور التي بقيت منه لا تقول كل الحقيقة.
وربما نحن لا نشتاق إلى الماضي أصلًا
هنا تبدأ الفكرة التي أحبها أكثر.
ماذا لو أن الإنسان حين يقول:
«ليتني عشت في ذلك الزمن»
لا يريد ذلك الزمن فعلًا؟
ربما يريد صفةً يتخيّل أنها كانت موجودة فيه.
حين نشتاق إلى زمن الرسائل، ربما لا نشتاق إلى البريد.
نشتاق إلى التمهّل.
حين نشتاق إلى الصور القديمة، ربما لا نريد كاميراتها الرديئة.
نشتاق إلى زمن لم تكن فيه كل لحظة مطالبة بأن تكون قابلة للنشر.
وحين نتأمل البيوت القديمة المزدحمة بالعائلة، ربما لا نشتاق إلى شكل الأثاث.
نشتاق إلى شعور الانتماء.
وحين نقول إن الحب كان أجمل قديمًا، ربما لا نعرف شيئًا حقيقيًا عن حب الناس آنذاك.
لكننا متعبون من علاقات يمكن أن تبدأ بلمسة شاشة وتنتهي بلمسة أخرى.
إذن ربما يكون الحنين إلى الماضي أحيانًا رسالة مشفرة من الحاضر.
نحن لا نقول:
أعيدوني إلى عام 1965.
بل نقول:
أعيدوا إليّ شيئًا أشعر أن 2026 أخذته مني.
الإنسان يحن إلى الإيقاع، لا إلى التاريخ
لكل عصر إيقاعه.
وعصرنا سريع بصورة تكاد تكون غير إنسانية.
نأكل ونحن نشاهد.
نشاهد ونحن نتحدث.
نتحدث ونحن نتصفح.
نقرأ عنوان المقال بدل المقال، وملخص الكتاب بدل الكتاب، ومقطع الدقيقة بدل الفيلم، ونرسل قلبًا بدل جملة، ونرى حياة إنسان كاملة في خمس عشرة ثانية.
حتى الانتظار أصبح خللًا تقنيًا.
إذا تأخر الموقع ثلاث ثوانٍ انزعجنا.
إذا لم يرد شخص خلال ساعات بدأنا في تفسير الصمت.
إذا احتاج مشروع سنوات، بحثنا عن طريقة تختصره.
وفي وسط هذه السرعة، تظهر لنا صورة قديمة.
رجل يقرأ جريدة كاملة.
امرأة تجلس أمام النافذة بلا هاتف في يدها.
طفلان يلعبان في شارع.
شخص يكتب رسالة يعرف أن جوابها لن يصل اليوم.
فننظر إليهم بشيء يشبه الحسد.
ليس لأن حياتهم كانت أفضل بالضرورة.
بل لأن الصورة تمنحنا شيئًا نفتقده:
البطء.
وربما الإنسان لم يُخلق ليعيش بهذه السرعة التي صنعها لنفسه.
حتى الأشياء كانت تُمنح وقتًا كي تصبح عزيزة
كان للأشياء عمر أطول.
الساعة تُصلح.
الحذاء يُرقّع.
الصورة تُحفظ.
الرسالة تُطوى وتوضع في درج.
الفستان ينتقل أحيانًا من أخت إلى أخرى.
والكتاب يحمل اسم صاحبه الأول وربما يصل إلى ثالث.
ليس لأن الناس كانوا أكثر شاعرية منا بالضرورة.
بل لأن الأشياء كانت أقل، والحصول عليها أصعب، واستبدالها ليس فوريًا.
أما نحن، فقد أصبح الاستبدال واحدًا من أكثر أفعال عصرنا سهولة.
شيء جديد.
إصدار جديد.
موضة جديدة.
مقطع جديد.
وجه جديد.
حديث جديد.
ربما لهذا تبدو الأشياء القديمة لنا وكأن لها روحًا.
ليس لأن الخشب القديم أكثر إحساسًا من البلاستيك الجديد.
بل لأن أحدًا عاش معه طويلًا بما يكفي لكي يترك فيه أثرًا.
الماضي الذي ورثناه من أهلنا
وهناك نوع آخر من الذكريات أغرب.
أشياء نشعر أنها تخصنا، رغم أنها حدثت قبلنا.
حكايات الأمهات والآباء.
بيت العائلة الأول.
مدينة الجد.
رحلة كانوا يكررون الحديث عنها.
قصة زواج قديمة.
صورة بالأبيض والأسود نعرف أسماء الواقفين فيها رغم أننا لم نلتقِ نصفهم.
مع التكرار، تدخل هذه القصص في نسيج هويتنا.
نقول:
«كان بيتنا هناك.»
مع أننا لم نسكنه.
«كنا نفعل كذا.»
مع أننا لم نكن قد وُلدنا.
الذاكرة العائلية تفعل شيئًا مدهشًا؛ توسّع حدود كلمة «أنا».
فلا يعود ماضينا يبدأ من تاريخ ميلادنا.
نرث شيئًا من ذاكرة الجماعة.
ولهذا قد يشتاق الإنسان إلى مكان عرفه فقط من صوت أمه وهي تحكي عنه.
وقد يشعر أن بيت جدته الذي هُدم قبل ميلاده كان، بطريقة غريبة، بيته هو أيضًا.
السينما صنعت لنا ماضيًا
ثم جاءت السينما والتلفزيون والصور القديمة لتفعل شيئًا أكثر قوة.
لقد أعطتنا نافذة نطل منها على أزمنة أخرى، لكنها نافذة منتقاة بعناية.
نرى باريس في المطر.
القاهرة في الخمسينيات.
بيروت في الستينيات.
لندن في العصر الفيكتوري.
نرى الملابس، والمقاهي، والقطارات، والموسيقى، والمنازل.
ولا نشم المجاري.
وهذه ليست نكتة.
إنها واحدة من مشكلات خيالنا عن التاريخ.
الحواس التي لا تستطيع الشاشة نقلها تختفي من تصورنا.
لا نشعر بالحر.
ولا البرد.
ولا المرض.
ولا تعب الأعمال المنزلية.
ولا ساعات الانتظار.
ولا محدودية الخيارات.
نرى جمال الحقبة من دون أن ندفع ثمن الحياة فيها.
ولهذا تصبح الأزمنة القديمة في المخيلة أشبه بفندق جميل:
نريد زيارته.
لكن ربما لو اضطررنا إلى السكن فيه، طلبنا العودة إلى عصرنا بعد يومين.
لماذا يشتاق الشباب أكثر إلى الماضي الآن؟
ثمة مفارقة تستحق التأمل.
لدينا اليوم قدرة على الوصول إلى الماضي لم يمتلكها أي جيل سابق.
شاب في العشرين يستطيع في ليلة واحدة أن يشاهد إعلانًا من عام 1978، ومسلسلًا من التسعينيات، وصور شوارع من الخمسينيات، ويسمع تسجيلًا عمره مئة عام، ثم يشتري ملابس مستوحاة من تلك الحقبة.
لقد أصبح الماضي أرشيفًا مفتوحًا.
ومن هنا نشأت ظواهر كاملة مبنية على استعادة أزمنة سابقة:
كاميرات تشبه الفيلم القديم.
فلاتر تضيف الحبوب والخدوش إلى صور التقطتها أحدث الهواتف.
أثاث «Vintage».
ملابس تعيد قصات التسعينيات والثمانينيات.
أجهزة حديثة تُصمم لتبدو قديمة.
إننا نملك تقنية هائلة تجعل الصورة مثالية، ثم نستخدم التقنية نفسها لإضافة العيوب التي كانت الكاميرات القديمة تحاول التخلص منها.
يا لها من مفارقة جميلة.
أمضى الإنسان عقودًا يحاول إزالة التشويش من الصورة.
ثم اشتاق إلى التشويش.
ربما لأن الكمال البصري نفسه أصبح متعبًا.
نحن لا نشتاق دائمًا إلى الأفضل
وهذه نقطة مهمة.
الحنين لا يعمل كالمؤرخ.
المؤرخ يسأل:
ماذا حدث فعلًا؟
أما الحنين فيسأل:
كيف يجعلني هذا الماضي أشعر؟
ولهذا قد نشتاق إلى أشياء نعرف عقلانيًا أنها لم تكن أفضل.
يمكن لإنسان أن يحب شكل هاتف قديم ولا يريد أن يعيش من دون الإنترنت.
أن يعشق سيارة كلاسيكية لكنه يفضل سلامة السيارة الحديثة.
أن يتمنى دفء الحي القديم ولا يريد القيود الاجتماعية التي ربما كانت موجودة فيه.
وهذا ليس تناقضًا.
نحن لا نطلب عادة الماضي كاملًا.
نختار منه ما نفتقده.
كأننا نقف أمام التاريخ في متجر كبير ونقول:
أريد بطء ذلك الزمن،
وحميمية هذا الزمن،
وأناقة ذاك،
لكن دعوني أحتفظ بطبي الحديث، وحريتي، وهاتفي، والمكيف، والطائرة، والإنترنت.
نريد الماضي بعد تحسينه.
وهذا الماضي، في الحقيقة، لم يوجد قط.
لكل جيل ماضيه الذهبي
الأطرف أن كل جيل تقريبًا يعتقد أن الأشياء كانت أجمل قبل قليل.
جيل يشتاق إلى التسعينيات.
والذي عاش التسعينيات كان يسمع الكبار يشتاقون إلى السبعينيات.
ومن عاش السبعينيات سمع من يقول إن الناس تغيروا وإن «أيام زمان» كانت أجمل.
وكأن العصر الذهبي يتحرك دائمًا إلى الخلف.
لا نستطيع الوصول إليه لأن مكانه ليس في التاريخ.
مكانه في الذاكرة.
وربما هناك طفل يعيش الآن أجمل سنوات حياته وهو لا يعرف.
بعد ثلاثين عامًا سيرى صورة هاتفنا الحالي ويبتسم.
سيسمع نغمة إشعار قديمة فيشعر بوخزة في صدره.
سيتذكر التطبيقات التي نشتكي منها اليوم بحنان.
وقد يقول لأطفاله:
«أنتم لم تلحقوا على أيامنا.»
وسينظرون إليه بالطريقة نفسها التي ننظر بها اليوم إلى من يحدثنا عن زمنه.
هل الحنين كذبة إذن؟
لا.
وهنا يجب ألا نظلم الحنين.
كون الماضي لم يكن كاملًا لا يجعل اشتياقنا إليه زائفًا.
المشاعر لا تحتاج أن تكون وثيقة تاريخية حتى تكون صادقة.
إذا اشتقت إلى التسعينيات لأنك تربطها بالأمان، فالأمان الذي تشعر به حقيقي حتى لو كانت التسعينيات نفسها مليئة بالمشكلات.
وإذا أحببت عصرًا لم تعشه لأنه يمثل لك البطء أو الأناقة أو البساطة، فربما هذا الحنين يخبرك شيئًا مهمًا عن نفسك.
الحنين بوصلة غريبة.
لا يدلنا دائمًا على المكان الذي يجب أن نعود إليه.
لكنه قد يدلنا على الشيء الذي نفتقده.
وهنا يصبح السؤال أكثر فائدة من محاولة العودة:
ما الذي يعجبني في ذلك الزمن تحديدًا؟
هل هو البطء؟
إذن ربما أحتاج أن أبطئ حياتي.
هل هي العلاقات؟
ربما أحتاج إلى علاقات أقل عددًا وأكثر عمقًا.
هل هي الأشياء التي كانت تعيش طويلًا؟
ربما أحتاج أن أتوقف عن استبدال كل شيء بسرعة.
هل هي الرسائل؟
ربما أحتاج أن أكتب لإنسان أحبه كلامًا أطول من رمز قلب.
هل هي الجلسات؟
ربما أحتاج مساءً واحدًا لا يمسك فيه أحد هاتفه.
فربما نستطيع أن نستعيد ما نحبه من الماضي من دون أن نعيش فيه.
لأن الماضي ليس مكانًا
وهذا ما أفكر فيه كلما شعرت بذلك الحنين الغريب إلى زمن لم أعرفه.
ربما لم أكن أريد أن أعيش هناك أصلًا.
ربما أنا فقط رأيت في صورة قديمة شيئًا لم أجده حولي.
هدوءًا.
أو دفئًا.
أو بساطة.
أو وجوهًا لا تنظر إلى شاشة.
أو شيئًا مصنوعًا لكي يبقى.
وحين قلت:
«ليتني عشت في ذلك الزمن»،
ربما كنت في الحقيقة أقول:
ليت شيئًا من ذلك الزمن بقي في زمني.
وهذه جملة مختلفة تمامًا.
فالحنين إلى الأزمنة التي لم نعشها ليس دائمًا رغبة في الهرب من الحاضر، وقد لا يكون إعجابًا ساذجًا بالماضي.
أحيانًا يكون نقدًا للحاضر لا نعرف كيف نقوله مباشرة.
حين يصبح العالم سريعًا جدًا، نحلم بزمن أبطأ.
حين تصبح العلاقات قابلة للاستبدال، نفتتن برسالة احتفظ بها شخص أربعين عامًا.
حين يصبح كل شيء مصورًا، تدهشنا صورة واحدة نجت من صندوق قديم.
وحين يصبح الإنسان متصلًا بالجميع طوال الوقت، ينظر بشيء من الحسد إلى رجل كان يجلس مساءً قرب نافذته ولا يعرف ماذا يفعل بقية العالم في تلك اللحظة.
ربما لهذا نشتاق إلى أزمنة لم نعشها.
ليس لأننا نتذكرها.
بل لأننا نتخيّل أنفسنا فيها بصورة نفتقدها في أنفسنا الآن.
ونحن حين نمد أيدينا نحو الماضي، لا نطلب منه دائمًا أن يعيدنا إليه.
أحيانًا نطلب منه فقط أن يعيد إلينا شيئًا تركناه ونحن نركض نحو المستقبل.
