كُتاب الرأي

من هرمز إلى باب المندب…

من هرمز إلى باب المندب…

حين تتكلم الصواريخ وتصمت السياسة

لم تعد الحرب بين الولايات المتحدة وإيران مواجهةً محصورةً في الضربات العسكرية والعقوبات والحصار البحري. خلال الأيام الماضية ظهرت بوضوح مرحلة أخطر: استخدام الممرات البحرية واليمن ومنظومة الحوثي لتحويل الحرب إلى أزمة إقليمية تضرب الملاحة والطاقة والمطارات والمدن، وتضع السعودية ودول الخليج أمام تهديد متعدد الجبهات.

أولًا: مضيق هرمز… الحرب تنتقل إلى ناقلات النفط

الوقائع المؤكدة: أفادت وكالة رويترز في 17 أكتوبر 2026 بأن ناقلتي نفط اشتعلتا في مضيق هرمز، بينما قال الحرس الثوري الإيراني إنهما اصطدمتا بألغام بحرية، وإنهما كانتا تحملان نحو مليوني برميل من الخام. المؤكد هو وقوع الحادث واشتعال الناقلتين، أما سبب الانفجار وتحديد الجهة المسؤولة فلم يخضعا، حتى وقت إعداد المقال، لتحقيق دولي مستقل معلن.

ويأتي الحادث بعد ارتفاع ملحوظ في البلاغات عن مهاجمة السفن خلال أكتوبر. وقال مركز عمليات التجارة البحرية البريطاني إن الشهر أصبح الأكثر نشاطًا في البلاغات عن الهجمات منذ مارس، مع اعترافه بأن العدد الحقيقي قد يكون أكبر بسبب إحجام سفن كثيرة عن الإبلاغ.

وفي المقابل، تؤكد القيادة المركزية الأمريكية استمرار الحصار المفروض على الموانئ الإيرانية، وتقول إنها أعادت توجيه عشرات السفن ومنعت أخرى من خرقه. لكن بيانات تتبع الناقلات التي نشرتها رويترز في 16 أكتوبر تشير إلى نجاح إيران في تهريب كميات محدودة من غاز البترول المسال ووقود الطائرات، غالبًا عبر نقل الشحنات بين السفن قرب عُمان وإخفاء مساراتها. وهذا يعني أن الحصار شديد التأثير، لكنه ليس محكمًا بالكامل.

التحليل: إيران تحاول الجمع بين أمرين: إيجاد منافذ صغيرة لتصدير منتجاتها، ورفع كلفة مرور نفط خصومها. لم تعد معركة هرمز تتعلق بإغلاق كامل للمضيق؛ بل بخلق مستوى دائم من الخطر يجعل التأمين والنقل والطاقة أكثر كلفة، ويضغط على المستهلك الأمريكي قبل انتخابات التجديد النصفي.

ولهذا لم تعد الحرب بعيدة عن الداخل الأمريكي. فقد ارتفعت كلفة الوقود والنقل الجوي والبري، وأصبحت الحرب موضوعًا حاضرًا في الحملات الانتخابية ضد الجمهوريين. وهذه نتيجة استراتيجية مهمة: طهران قد لا تستطيع هزيمة القوة الأمريكية عسكريًا، لكنها تحاول تحويل استمرار الحرب إلى عبء اقتصادي وسياسي يصعب على واشنطن تحمّله طويلًا.

ثانيًا: اليمن يتحول إلى الجبهة الأكثر خطورة على السعودية

الوقائع المؤكدة: في 15 أكتوبر استهدف الحوثيون مجمع قصر معاشيق في عدن بالصواريخ والطائرات المسيّرة، ما أدى، وفق الحكومة، إلى مقتل خمسة أشخاص وإصابة 16 آخرين، بينما نجا رئيس الوزراء وأعضاء الحكومة. وزعم الحوثيون أن هدفهم كان مركز عمليات عسكريًا سعوديًا؛ وهو ادعاء لم يثبت بصورة مستقلة.

وفي 16 أكتوبر أصاب صاروخان مطار عدن، للمرة الثانية خلال أقل من عشرة أيام، من دون تسجيل قتلى. وذكرت التقارير أن طائرة كانت تستعد للإقلاع أُخليت بعدما سقط الصاروخان على مسافة تقارب 500 متر منها. وفي اليوم نفسه أعلنت قوات التحالف اعتراض صاروخ متجه إلى ينبع، بينما ارتفع سعر خام برنت إلى نحو 110 دولارات للبرميل تحت ضغط التصعيد الإقليمي.

كما أعلنت قيادة التحالف في 15 أكتوبر أن الحوثيين شنوا خلال الشهر عشرين هجومًا على مطار الملك خالد الدولي بالرياض، وقالت إن هذه الهجمات أدت إلى مقتل 17 شخصًا وإصابة 333. وهذه أرقام صادرة عن التحالف، ولم تُنشر حتى الآن مراجعة دولية مستقلة شاملة لجميع تفاصيلها.

وعلى المستوى الإقليمي، أعلن الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي في 17 أكتوبر استعداد مصر لاتخاذ إجراءات للدفاع عن السعودية إذا تلقت طلبًا رسميًا، مع الإشارة إلى أن أي تحرك عسكري يحتاج موافقة البرلمان المصري. أهمية هذا التصريح ليست في دخول مصري مؤكد للحرب، فهذا لم يحدث بعد، بل في أن خطر الحوثي بدأ يدفع الأزمة نحو اصطفاف عسكري عربي أوسع.

التحليل: الحوثي لا يتصرف اليوم باعتباره طرفًا محليًا يسعى إلى حصة في تسوية سياسية، بل بوصفه قوة صاروخية إقليمية مرتبطة بشبكة الصراع الإيراني. ضرب المطارات والمنشآت النفطية ومراكز الحكم يحقق له ثلاثة أهداف:

1. الضغط على السعودية لوقف دعم القوات المناهضة له.
2. تعطيل حركة الطيران والاستثمار والطاقة.
3. إثبات قدرته على خدمة الاستراتيجية الإيرانية خارج الحدود.

لكن هذا التصعيد يحمل للحوثي مخاطرة كبرى؛ فكلما استهدف المدنيين والمطارات والمنشآت الاقتصادية، تراجعت قدرته على تقديم نفسه طرفًا سياسيًا يمنيًا، وترسخت صورته كذراع عسكرية إيرانية تهدد الأمن الإقليمي.

أما إنسانيًا، فقد تجاوز عدد النازحين منذ مطلع سبتمبر 200 ألف شخص، بحسب المنظمة الدولية للهجرة، مع تدهور خاص في تعز ومناطق الساحل الغربي. وهذه هي الحقيقة التي تضيع وسط بيانات الانتصار المتبادلة: المدنيون يدفعون الثمن، فيما تتسع رقعة الحرب من البحر الأحمر إلى الرياض وعدن.

ثالثًا: حضرموت… هدوء الأخبار لا يعني انتهاء الصراع

غياب الانفجار العسكري لا يعني أن حضرموت خرجت من دائرة الخطر. فالمحافظة أصبحت أكثر أهمية بسبب موقعها واتصالها بالبحر العربي وقربها من طرق الإمداد والطاقة. ومع اتساع الحرب في هرمز والبحر الأحمر، سترتفع قيمة الساحل الحضرمي والموانئ والمطارات والحدود الشرقية.

والخطر الحقيقي أن تحاول الأطراف المتصارعة استغلال التصعيد الإقليمي لفرض ترتيبات عسكرية أو سياسية على حضرموت تحت عنوان «مواجهة الحوثي» أو «حماية الجنوب». أمن حضرموت مطلوب، لكن أمنها لا ينبغي أن يتحول إلى مدخل لمصادرة قرار أهلها أو استبدال هيمنة بهيمنة أخرى.

على القوى الحضرمية أن تستفيد من هذه المرحلة لبناء موقف واضح يقوم على ثلاث ركائز: حماية الأرض والثروة، رفض تحويل حضرموت إلى ساحة لتصفية الحسابات، وتأكيد حق أهلها في تقرير مستقبلهم بعيدًا عن مشاريع الضم والوصاية.

ما الذي تعنيه هذه التطورات للمرحلة المقبلة؟

المنطقة تقترب من معادلة شديدة الخطورة: واشنطن تحاصر إيران، وإيران تضغط عبر هرمز ووكلائها، والحوثي يفتح جبهة مباشرة على السعودية، فيما تصبح عدن وتعز والبحر الأحمر ساحات متصلة بالحرب الكبرى.

إذا استمرت هذه الحلقة، فلن يكون السؤال: من يربح ضربة عسكرية؟ بل: من يستطيع تحمّل الكلفة الاقتصادية والسياسية والإنسانية مدة أطول؟

الحل المؤقت قد يأتي عبر تفاهم محدود يفتح مضيق هرمز ويخفف الحصار مقابل ضمانات إيرانية. لكن أي اتفاق لا يعالج الصواريخ الإيرانية ودور الحوثي وأمن البحر الأحمر لن يكون سلامًا؛ بل هدنة تمنح جميع الأطراف فرصة لإعادة التسلح والاستعداد للجولة التالية.

أما حضرموت، فلا يجوز أن تنتظر ما تقرره غرف التسويات عنها. ففي زمن انهيار التوازنات، لا يحمي الأرض إلا موقف حضرمي موحد، وقوة أمنية من أبنائها، ورؤية سياسية مستقلة لا تقبل أن تكون حضرموت غنيمةً في مشروع الآخرين.

بقلم: مهندس صالح بن سعيد المرزم
18 أكتوبر 2026م

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.