كُتاب الرأي

كش ملك..

كش ملك..

بقلم: جواهر الروقي

في لعبة الشطرنج، لا تُحسم المعركة دائمًا بكثرة القطع، ولا بقوة الحركة الأولى، بل بقدرة اللاعب على قراءة ما وراء الحركة ، فقد تبدو الرقعة هادئة، والقطع في أماكنها، والطريق مفتوحًا أمام الملك، بينما تكون النهاية قد رُتّبت منذ خطوات، دون أن ينتبه إليها أحد ، ثم تأتي اللحظة التي تُقال فيها كلمتان تختصران كل شيء: «كش ملك» ، ولعلّ الحياة، في كثير من تفاصيلها، لا تختلف عن تلك الرقعة كثيرًا.

نحن لا نعيش على الحقائق وحدها، بل على ما نفهمه منها، وما يُقال لنا، وما نعتقد أنه مقصود ، نسمع وعدًا فنرسم مستقبلًا، ونصغي إلى حديث فنطمئن، وندخل مشروعًا ونحن نظن أن الأهداف واضحة، ثم نكتشف، بعد أن نمضي شوطًا طويلًا، أن الصورة التي رأيناها لم تكن الصورة كاملة ، فهل كانت الحقيقة غائبة، أم أن أحدًا لم يمنحنا فرصة رؤيتها كما هي؟

في بيئة العمل، قد يجلس الجميع حول طاولة واحدة، ويتحدثون عن هدف مشترك، ويتبادلون عبارات الحماس والتعاون، لكن ما إن تبدأ القرارات الفعلية حتى تظهر مسافات لم تكن مرئية ، تتبدل الأولويات، وتتغير الوعود، ويجد المرء نفسه أمام واقع لم يتفق عليه، رغم أنه كان حاضرًا منذ البداية ، وفي العلاقات، تتكرر الحكاية بصورة أكثر هدوءًا، وأشد أثرًا ، كلمة تُفهم على أنها وعد، واهتمام يُفسَّر على أنه التزام، وصمت نمنحه ألف عذر حتى لا نضطر إلى مواجهة احتمالٍ لا نحبّه ، نمضي أحيانًا في علاقة لا لأن الطريق واضح، بل لأننا نتمنى أن يصل إلى النهاية التي رسمناها في أذهاننا.

وحتى في الأهداف والطموحات، قد لا تكون الخسارة في فشل المحاولة، بل في أننا لم نعرف منذ البداية ما الذي نحاول الوصول إليه، أو على أي أساس اتُّخذ القرار، أو ما الذي تغيّر في منتصف الطريق.

وهنا تكمن المفارقة؛ فنحن نطالب بالوضوح، لكننا أحيانًا نخشى السؤال الذي قد يكشف لنا إجابة لا نريد سماعها ، نفضّل الاحتمالات الجميلة على الحقائق المزعجة، ونمنح الكلام مساحة أكبر مما يستحق، بينما نؤجل الحكم على الأفعال حتى تتراكم التناقضات ويصبح تجاهلها أصعب من مواجهتها ، إن أخطر أنواع الغموض ليس ما نجهله، بل ما نظن أننا فهمناه، ثم نبني عليه قراراتنا.

ولأن الوضوح ليس مجرد مهارة في التواصل، بل قيمة أخلاقية تحفظ الحقوق وتصون الثقة، جاء التوجيه النبوي مؤكدًا أهمية الصدق والبيان ، يقول رسول الله ﷺ: «من غشّنا فليس منا» رواه مسلم. وهو توجيه يتجاوز المعاملات إلى معنى أوسع: ألا يُترك الآخر فريسةً لصورة مضللة، وألا تُبنى الثقة على ما يخالف الحقيقة.

فالوضوح لا يعني أن يكشف الإنسان جميع أسراره، ولا أن يشرح كل خطوة يخطوها، ولا أن يتخلى عن خصوصيته ، إنما يعني أن يكون بيّنًا فيما يترتب عليه حق للآخرين، صادقًا في وعوده، واضحًا في التزاماته، وألا يترك أحدًا يبني قرارات مصيرية على فهم يعرف أنه خاطئ ، وهذا ما يجعل الفرق كبيرًا بين الغموض الذي يحفظ الخصوصية، والغموض الذي يتهرب من المسؤولية؛ فالأول حق، والثاني قد يتحول إلى وسيلة لاستنزاف الوقت والثقة والجهد.

ولعلّ أكثر ما يُربك الإنسان ليس أن تتغير الظروف، فالحياة بطبيعتها متغيرة، وإنما أن يتغير كل شيء دون أن يُقال له إن شيئًا قد تغيّر ، أن يستمر في السير وفق اتفاق قديم، بينما الطرف الآخر تجاوز ذلك الاتفاق منذ زمن ، أن يظل متمسكًا بكلمات قيلت في البداية، في حين أن الأفعال لم تعد تعترف بها ، وعند هذه النقطة، لا تعود المشكلة في الخسارة وحدها، بل في الوقت الذي استغرقناه حتى نفهم ما حدث.

لذلك، لا يكفي أن نسأل: ماذا قيل لنا؟ بل ينبغي أن نسأل أيضًا: ماذا حدث فعلًا؟ هل تتفق الوعود مع المواقف؟ وهل ما نراه اليوم امتداد لما اتُّفق عليه بالأمس، أم أننا نتمسك بصورة لم تعد موجودة؟

إن قراءة الأفعال لا تعني إساءة الظن بالناس، كما أن حسن الظن لا يعني تعطيل العقل ، وبين الأمرين مساحة من الوعي تجعلنا نمنح الآخرين حقهم في التفسير، دون أن نتنازل عن حقنا في السؤال، ونحفظ الثقة دون أن نحولها إلى تصديق أعمى ، فليس كل صامت يخفي سوءًا، وليس كل متحدث صادقًا، وليست كل نهاية دليلًا على أن البداية كانت كاذبة ، لكن التناقض المتكرر يستحق التوقف، والوعود التي لا تجد طريقها إلى التنفيذ تستحق المراجعة، والقرارات التي تمس الآخرين تستحق الوضوح قبل أن تتحول إلى واقع يصعب تغييره.

وفي الشطرنج، لا يستطيع اللاعب تغيير قواعد اللعبة بعد أن تبدأ لمجرد أن النتيجة لم تعجبه؛ عليه أن يعرف القواعد، ويقرأ الحركة، ويدرك حدود ما يستطيع فعله ، وكذلك الحياة، لا نملك التحكم في نوايا الآخرين، لكننا نملك أن نسأل، وأن نتحقق، وأن نراجع خطواتنا متى ظهرت حقائق جديدة ، وربما لا تكون الحكمة في أن نكشف جميع الأوراق، بل في ألّا نسمح للكلمات وحدها بأن تقنعنا بأننا نرى الرقعة كاملة.

ففي النهاية، لا تأتي لحظة «كش ملك» دائمًا لأن الخصم كان أذكى، بل قد تأتي لأننا انشغلنا بما يظهر أمامنا، ولم ننتبه إلى ما كانت تعنيه الحركة منذ البداية ، وحين تتكشف الحقيقة، لا يكون السؤال الأهم: من الذي أخفى الأوراق؟ بل: لماذا بنينا كل تلك الخطط قبل أن نتأكد أننا نقرأ اللعبة كما هي؟

كاتبة رأي 

 

الدكتورة جواهر الروقي

أديبة سعودية وكاتبة رأي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.