الإجازة ليست المشكلة

الإجازة ليست المشكلة
بقلم : د.جواهر الروقي
@joj_alrogi
لماذا تتحول الإجازة الرسمية في بعض المنشآت إلى موسم من الأسئلة والاعتراضات والاجتهادات، رغم أن الأنظمة واضحة وسياسات الموارد البشرية معلنة؟
ربما لأن المشكلة لم تعد في وضوح النظام، وإنما في الطريقة التي نترجم بها هذا النظام إلى ممارسة يومية داخل المنشأة ، فمع اقتراب كل إجازة رسمية تبدأ الأسئلة المعتادة: من سيعمل؟ ومن يستحق التعويض؟ وهل التكليف إلزامي؟ وكيف يُحتسب العمل؟ ومتى يظهر أثره في المسير؟ ثم تبدأ الاعتراضات، وتعود الموارد البشرية إلى اللوائح والسياسات لتشرح ما سبق أن تم تنظيمه، وكأن كل إجازة رسمية تعيدنا إلى نقطة الصفر.
لكن ماذا لو توقفنا قليلًا عند أصل المشكلة؟ فهناك منشآت لا تستطيع ببساطة أن تغلق أبوابها في الإجازات الرسمية؛ لأن طبيعة نشاطها قائمة على المبيعات أو الإنتاج أو التشغيل المستمر أو تقديم الخدمات على مدار العام ، وفي مثل هذه المنشآت لا يكون السؤال الحقيقي: هل سنعمل في الإجازة؟ لأن الإجابة معروفة مسبقًا، وإنما السؤال الأكثر أهمية هو: كيف سندير العمل في الإجازة بطريقة تحفظ حق الموظف، وتضمن استمرارية العمل، وتغلق أبواب الاجتهاد؟
هنا تحديدًا يجب أن يتغير دور الموارد البشرية من التعامل مع كل إجازة باعتبارها حالة استثنائية إلى بناء منظومة تشغيلية ثابتة تتكرر مع كل إجازة رسمية ، فالموظف الذي يعرف قبل الإجازة أنه سيعمل، ويعرف أن تكليفه معتمد، وأن ساعات عمله موثقة، وأن المقابل النظامي أو التعويض سيُعالج وفق آلية محددة، لن يكون بحاجة إلى الدخول في دائرة من التساؤلات والاعتراضات ، وفي المقابل، لن تضطر الموارد البشرية إلى مطاردة التكليفات بعد وقوعها أو البحث عن ساعات العمل بين رسائل البريد والجداول اليدوية.
ومن هنا تبدأ المنهجية الحقيقية؛ أن تُبنى العملية قبل الإجازة لا بعدها، فتحدد المنشأة احتياجها التشغيلي، وتعرف الوظائف والمواقع التي يجب أن تستمر، ثم تعتمد أسماء الموظفين المكلفين وساعات عملهم مسبقًا، وتربط هذه المعلومات بأنظمة الحضور والرواتب والإجازات، بحيث تنتقل المعلومة من مرحلة التكليف إلى مرحلة الاحتساب دون تدخل يدوي متكرر ، وهنا أعتقد أن مستقبل إدارة الموارد البشرية يجب أن يتجه بصورة أكبر نحو تكامل البيانات بين الأنظمة الحكومية والأنظمة الداخلية للمنشآت، بما في ذلك الأنظمة المرتبطة بالتأمينات الاجتماعية والرواتب، وفق الصلاحيات والأطر التنظيمية المعتمدة؛ ليس بهدف تحميل جهة مسؤولية ليست من اختصاصها، وإنما بهدف الوصول إلى منظومة بيانات أكثر تكاملًا، تقلل الفجوة بين ما تم تكليفه فعليًا، وما تم تسجيله، وما تم احتسابه ماليًا.
فلماذا لا نصل مستقبلًا إلى نموذج تصبح فيه بيانات الموظفين المكلفين بالعمل خلال الإجازات الرسمية جزءًا من دورة إلكترونية واضحة، تبدأ من اعتماد التكليف، ثم تسجيل الحضور، ثم احتساب الساعات، ثم انعكاسها تلقائيًا على المعالجة المالية أو التعويضية المستحقة؟ عندها لن يكون الموظف مضطرًا لإثبات أنه عمل، ولن تكون الموارد البشرية مضطرة لإعادة بناء الصورة بعد انتهاء الإجازة، ولن يبقى المدير أمام مسؤولية الاعتماد الشفهي أو الاجتهاد الفردي.
والأهم من التقنية نفسها هو تغيير الثقافة الإدارية المصاحبة لها؛ لأن النظام مهما كان متطورًا لن يحل مشكلة غياب المنهجية ، فإذا كانت المنشأة تعرف أن نشاطها مستمر طوال العام، فعليها أن تتعامل مع الإجازات الرسمية باعتبارها جزءًا من دورة العمل السنوية، وأن تضع لها خطة مسبقة مثلما تضع خطط المبيعات والإنتاج والتشغيل، لا أن تنتظر حتى تقترب الإجازة ثم تبدأ في السؤال عن من سيعمل ومن سيستحق.
وعندما تصبح هذه المنهجية جزءًا من التخطيط السنوي، يتحول التكليف من مصدر للتوتر إلى إجراء إداري طبيعي، ويتحول التعويض من محل نقاش إلى نتيجة آلية لبيانات موثقة، ويتحول دور الموارد البشرية من الدفاع عن السياسة وتفسيرها في كل مرة إلى مراقبة جودة تطبيقها ، وهنا يظهر الفرق بين وجود سياسة موارد بشرية وبين وجود نظام موارد بشرية ناضج؛ فالسياسة تخبرك بما يجب أن يحدث، أما المنظومة الناضجة فتضمن أن ما يجب أن يحدث يحدث فعلًا، في الوقت الصحيح، وبالطريقة الصحيحة، وبأقل مساحة ممكنة للاجتهاد.
لذلك ربما لا نحتاج في كل إجازة رسمية إلى مزيد من التعميمات والرسائل التوضيحية، بقدر حاجتنا إلى إعادة تصميم دورة العمل نفسها ، نحتاج إلى أن نسأل: أين يبدأ التكليف؟ من يعتمده؟ أين يُسجل؟ كيف ينتقل إلى الحضور؟ كيف يصل إلى المسير؟ وكيف يتم التأكد في النهاية من أن الموظف حصل على حقه وفق النظام؟
وحين تكون الإجابات على هذه الأسئلة موجودة داخل النظام قبل أن تبدأ الإجازة، لن تصبح الموارد البشرية مطالبة بإدارة «أزمة إجازة» في كل مناسبة، بل ستدير عملية واضحة ومؤتمتة يمكن قياسها ومراجعتها وتحسينها.
فالإجازة الرسمية ليست المشكلة، والعمل خلالها ليس المشكلة، وحتى اعتراض الموظف ليس المشكلة الحقيقية؛ المشكلة عندما لا تكون هناك منظومة واضحة تجعل الجميع يعرف ما له وما عليه قبل أن يبدأ العمل ، ومن هنا، فإن المرحلة القادمة في إدارة الموارد البشرية يجب ألا تكون مجرد تطبيق للأنظمة، بل تصميم منظومات تجعل الالتزام بالنظام أسهل من مخالفته، وتجعل حفظ حق الموظف جزءًا من دورة العمل لا إجراءً لاحقًا يحتاج إلى مطالبة.
وربما يكون هذا هو النهج الذي نحتاجه اليوم:
لا ندير الإجازات كل مرة من جديد… بل نبني نظامًا يجعل الإجازة تُدار تلقائيًا.
كاتبة رأي