كُتاب الرأي

الخصوصية التي ماتت واقفة

الخصوصية التي ماتت واقفة

كان الإنسان قديمًا يحتاج إلى باب مغلق كي يحتفظ بأسراره. اليوم يحتاج إلى هاتف مشحون فقط كي يعلنها بنفسه. هذه واحدة من أعظم مفارقات عصرنا.

نحن نعيش في زمن نتحدث فيه كثيرًا عن الخصوصية، بينما نقضي ساعات طويلة في إخبار الآخرين بما نأكل، وأين نذهب، ومن نلتقي، وماذا اشترينا، وما الذي أسعدنا، وما الذي أزعجنا. ثم نستغرب عندما يعرف أحدهم عنا أكثر مما ينبغي. نحن لم نفقد الخصوصية. لقد سلّمناها بأنفسنا، مع كلمة مرور، وقبلنا الشروط والأحكام دون أن نقرأ شيئًا.

في الماضي، كان الإنسان يعود إلى بيته وينتهي العرض. أما اليوم، فقد يعود إلى بيته ليبدأ البث. صورة للقهوة، صورة للطعام، صورة للطريق، صورة للكتاب الذي لم يقرأ منه سوى عشر صفحات، صورة للسماء، ثم صورة أخرى للسماء من زاوية أكثر شاعرية. وفي نهاية اليوم يصبح لدينا سجل كامل ليوم لم نعشه كما ينبغي لأننا كنا مشغولين بتوثيقه.

الأغرب أننا لا نكتفي بعرض اللحظات السعيدة. حتى الحزن أصبح قابلًا للنشر. نكتب: “هناك أشياء لا يمكن شرحها.” ثم نشرحها.  نكتب: “لا أحب الحديث عن حياتي الخاصة.” ثم نكتب سبع فقرات عنها. ونقول: “بعض الناس لا يستحقون معرفة ما يحدث لنا.” ثم نضع صورة تتيح للجميع معرفة ما يحدث لنا. نحن نعيش مفارقة لم يعرفها الإنسان من قبل: نريد أن نكون مرئيين، لكننا لا نريد أن نكون معروفين، نريد الاهتمام دون الأسئلة، نريد المشاهدة دون الاقتراب، نريد أن يعرف الناس أننا سعداء، لكن ليس من حقهم أن يسألوا لماذا. نريد أن نعلن علاقتنا، ثم نغضب إذا سأل أحد عن تفاصيلها، نريد أن يعرف الجميع أننا نملك شيئًا، لكننا لا نريد أن يعرفوا كم دفعنا ثمنه. إنها لعبة اجتماعية غريبة، وقواعدها تتغير كل يوم.

حتى الأطفال دخلوا هذه اللعبة دون أن يختاروها. صورهم في المناسبات، مقاطعهم في المنزل، لحظاتهم المضحكة، نجاحاتهم، ملابسهم، وأحيانًا لحظات بكائهم. الطفل الذي لا يعرف معنى الخصوصية، أصبح له جمهور. وليس غريبًا أن يكبر جيل يعتقد أن كل لحظة في الحياة تصبح أكثر قيمة إذا شاهدها الآخرون.وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية. 

الخصوصية ليست مجرد إخفاء المعلومات. الخصوصية مساحة لا يحتاج فيها الإنسان إلى أداء دور. أن تجلس وحدك دون أن تكون مضطرًا لإثبات أنك سعيد. أن تذهب إلى مكان ولا تفكر في تصويره. أن تمر بيوم سيئ دون أن تكتب عنه. أن تحب شخصًا دون أن يحتاج العالم إلى معرفة أنك تحبه. أن تملك شيئًا جميلًا لا يعرف أحد بوجوده. هذه المساحة الصغيرة ضرورية للإنسان، لأنها المكان الوحيد الذي يستطيع فيه أن يكون نفسه دون جمهور.

لكننا بدأنا نفقدها تدريجيًا. ليس لأن أحدًا سرقها منا، وإنما لأننا اكتشفنا أن الظهور مغرٍ. الإعجاب يعطي شعورًا سريعًا بالقيمة. المشاهدة تمنحنا إحساسًا بأننا حاضرون في حياة الآخرين. والتعليق يقول لنا، ولو للحظة: “لقد رآك أحد.”

ثم نعود ونطلب الخصوصية.

وهنا يمكن فهم شيء مؤلم: أحيانًا لا نبحث عن الخصوصية لأننا نحب العزلة، وإنما لأننا تعبنا من الظهور. تعبنا من شرح أنفسنا. من تبرير اختياراتنا. من الرد على الأسئلة. من مقارنة حياتنا بحياة الآخرين. من الشعور بأن كل شيء يجب أن يكون قابلًا للعرض. حتى النجاح لم يعد يكفي أن تعيشه. ينبغي أن تثبته. والسعادة لم تعد تكفي أن تشعر بها. ينبغي أن تبدو سعيدًا. والرحلة لا تكتمل إلا إذا عرف الجميع أنك سافرت. وهكذا تحولت الحياة من تجربة شخصية إلى واجهة عرض.

نعيش أحيانًا بعين المشاهد الذي نتخيله، لا بعين الإنسان الموجود داخل اللحظة. نختار المطعم الذي يصلح للتصوير. المكان الذي يصلح للنشر. الملابس التي تصلح للصورة. حتى بعض الذكريات أصبحنا نختارها بناءً على قابليتها للمشاركة. ثم نعود في نهاية اليوم ونشعر أننا لم نكن هناك تمامًا.

لهذا أصبحت الخصوصية اليوم شكلًا من أشكال الثراء. أن تملك لحظة لا يعرف عنها أحد. أن يكون لديك خبر جميل ولا تسارع إلى إخبار الناس به. أن تحتفظ بصورة في هاتفك ولا تنشرها. أن تنهي علاقة دون بيان رسمي. أن تتغير دون أن تشرح للناس مراحل التغيير. أن تنجح في شيء وتترك نجاحك يعيش معك قليلًا قبل أن تطلب منه أن يعيش مع الغرباء. ليست كل الأشياء الجميلة تحتاج إلى جمهور. بعضها يفقد شيئًا من جماله لحظة يتحول إلى عرض. والإنسان يحتاج أحيانًا إلى حياة لا تصلح للنشر. حياة فيها أخطاء لا يراها أحد، وأفكار لم تكتمل، وأيام سيئة لم تُصغ في منشور، وأشياء يحبها دون أن يضع تحتها زر إعجاب.

ربما لا نحتاج إلى استعادة الخصوصية القديمة. نحتاج فقط إلى أن نتذكر أنها كانت موجودة لسبب. فليست كل نافذة يجب أن تكون مفتوحة. وليست كل ستارة وُجدت لتُسحب. وفي زمن صار فيه الجميع يعرفون كل شيء تقريبًا عن الجميع، قد يصبح أكثر الأشخاص غموضًا هو ذلك الذي لا يخفي شيئًا عن العالم لأنه ببساطة لم يعد يشعر أنه مطالب بأن يشرح نفسه له.

كاتب رأي 

عبدالعزيز سعود الحركان

أديب وكاتب سعودي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.