«فوق إلنا خل»

«فوق إلنا خل»
حكاية أغنية من تراث العراق
بقلم: بكري عساس
ليست الأغاني التراثية مجرد ألحانٍ تعبر الأذن ثم تمضي، بل هي ذاكرة الشعوب حين تتخذ من الكلمة والنغم لسانًا للحب والحنين والحكاية. ومن بين الأغاني التي استقرت في الوجدان العراقي والعربي أغنية «فوق إلنا خل»، التي حملت معها حكايةً طريفة عن الحب، وامتدت شهرتها من مجالس العراق إلى آفاق العالم العربي، ثم إلى فرق فنية في بلدان بعيدة.
تُعد «فوق إلنا خل» من أجمل الأغاني الفلكلورية والتراثية العراقية القديمة، وما تزال تُردَّد في المناسبات والجلسات. وقد غنّاها عدد من المطربين، وكان من أوائل من أدّاها المطرب العراقي الشهير ناظم الغزالي في حفل أقيم في بيروت، فيما تولّى الفنان العراقي جميل بشير توزيعها. كما غنّاها المطرب السوري المخضرم صباح فخري، إلى جانب عدد من فناني العراق والعالم العربي.
وتُروى رواية عن أصل لحنها تنسبه إلى القارئ والشاعر وخطيب ثورة العراق سنة 1920، الملا عثمان الموصلي، وأنها كانت في الأصل موشحًا بعنوان «فوق العرش فوق». وقد تناولت مجلة «الكاردينيا» الثقافية العراقية قصةً ارتبطت بهذه الأغنية، وتكشف جانبًا من البيئة الاجتماعية التي نشأت في ظلها الحكاية.
كانت البيوت العراقية القديمة تتكوّن من ساحة تحيط بها مجموعة من الغرف، وكان بعضها يتألف من طابقين، علوي وأرضي. ويُروى أن شابًا من شباب بغداد استأجر غرفة في الدور الأرضي من أحد هذه البيوت، ثم لمح في إحدى المرات فتاةً جميلة في الطابق العلوي، فأُعجب بها وهام بجمالها.
غير أن التقاليد والأعراف السائدة في ذلك الوقت حالت دون أن يتواصل معها مباشرة، فلجأ إلى الغناء وسيلةً لجذب انتباهها والتعبير عن مشاعره. وكان يردد بصوته الجميل عبارة «فوق إلنا خل»، أي: لنا خليل أو حبيب في الطابق العلوي.
وحين سمعه الجيران، لم ينتبهوا إلى إدغام اللام بالنون، فظنوا أنه يقول: «فوق النخل فوق». وهكذا شاعت العبارة على صورتها الجديدة، وتحولت الحكاية إلى أغنية تثير الشجن بين السُّمّار والعشاق في بلاد الرافدين، وانتهت قصة الشاب، كما تُروى، بزواجه من الفتاة التي هام بحبها.
ولم تقف رحلة الأغنية عند حدود الغناء الشعبي؛ فقد قام المايسترو الألماني الشهير هانز مومر بتلحينها أيضًا في سبعينيات القرن الماضي، عندما استضافته بغداد في تلك الفترة، وغنّتها فرقته، فتحولت إلى قطعة موسيقية ذات حضور عالمي. كما أدّتها فرق فنية من الصين وأمريكا وأرمينيا وصربيا، إلى جانب فرق من مناطق أخرى حول العالم.
وهكذا بقيت «فوق إلنا خل» أكثر من مجرد أغنية؛ فقد غدت حكايةً موسيقية تختلط فيها رقة العاطفة بملامح الحياة الاجتماعية القديمة، وتكشف قدرة التراث على عبور الأزمنة والحدود، حين يحمل في كلماته وصداه شيئًا من روح المكان وذاكرة أهله.
ويُختتم المقال بما نُقل عن الأكاديمي المتخصص في التراث الموسيقي العراقي هيثم شعوبي، من أن «فوق إلنا خل» أغنية طربية فلكلورية وتراثية تحتل مكانة خاصة في الوجدان العراقي والعربي، شأنها في ذلك شأن «على دلعونا» في فلسطين و«الميجانا» في بلاد الشام ولبنان.
وهكذا يظل التراث حيًّا ما دام يجد من يصغي إليه؛ فالأغنية التي ولدت من حكاية حب في بيت بغدادي قديم استطاعت أن تعبر من الذاكرة المحلية إلى فضاء أرحب، لتصبح شاهدًا على أن النغم الصادق لا تعرف حدوده مدينة ولا وطن، وأن ما تحفظه القلوب تستطيع الأجيال أن تورثه كما تورث أجمل الحكايات.
كاتب رأي
