سارة ريكتور

سارة ريكتور
الطفلة التي صنعت ثروتها من «الذهب الأسود»
بقلم: بكري معتوق عساس
وُلدت سارة ريكتور في 3 مارس 1902 في منطقة تقع حاليًا بمدينة تافت في ولاية أوكلاهوما. وكانت أسرتها من أصول أفريقية، وينحدر أجدادها من أناس استُعبدوا سابقًا على يد قبائل موسكوجي قبل أن ينالوا حريتهم.
وهكذا تكشف قصة سارة ريكتور مفارقة مؤلمة في التاريخ الأميركي: طفلة أفريقية الأصل صنعت ثروتها من النفط في وقت كانت فيه قوانين التمييز تحاول أن تحد من حقوق السود ومكانتهم. لقد كان الذهب الأسود سببًا في شهرتها وثروتها، لكنه جعل حياتها أيضًا ساحة لصراع مبكر حول المال والعرق والوصاية والحق في امتلاك الثروة.
توفيت سارة ريكتور عام 1967، عن عمر ناهز الخامسة والستين، بعد أن تركت وراءها قصة نادرة لطفلة تحولت، في سنوات قليلة، من صاحبة أرض توصف بأنها عقيمة إلى واحدة من أشهر الثريات في أميركا.
ليست كل الثروات تبدأ من خزائن عامرة، ولا كل الحكايات الكبيرة تُكتب بأيدي أصحابها. أحيانًا تخبئ الأرض تحت صمتها حكايةً تفوق الخيال، ويولد القدر من بين طبقات التراب ليضع في يد طفلٍ ما لم يكن في مقدوره أن يحلم به. تلك هي حكاية سارة ريكتور، الطفلة التي قادتها قطعة أرض بدت قاحلة إلى عالم النفط والثروة، لكنها وجدت نفسها في الوقت ذاته وسط أسئلة أكبر من عمرها: أسئلة العِرق والحق والوصاية والعدالة.
في زمنٍ كانت فيه الولايات المتحدة ترزح تحت وطأة التمييز العنصري وقوانين «جيم كرو»، برزت قصة استثنائية لطفلة أفريقية الأصل تحولت، وهي في الحادية عشرة من عمرها، إلى واحدة من أشهر مليونيرات عصرها.
وُلدت سارة ريكتور في 3 مارس 1902 في منطقة تقع حاليًا بمدينة تافت في ولاية أوكلاهوما. وكانت أسرتها من أصول أفريقية، وينحدر أجدادها من أناس استُعبدوا سابقًا على يد قبائل موسكوجي قبل أن ينالوا حريتهم.
وفي إطار سياسة توزيع الأراضي على قبائل موسكوجي، آلت إلى سارة قطعة أرض مساحتها نحو 650 ألف متر مربع. وكانت الأرض تُعد في ذلك الوقت قاحلة قليلة القيمة، حتى إن والدها جوزيف ريكتور اضطر عام 1911 إلى تأجيرها لشركة ستاندرد أويل بسبب ارتفاع الضرائب.
لكن الأرض التي بدت بلا قيمة كانت تخفي كنزًا هائلاً تحت سطحها. ففي عام 1913 اكتُشفت كميات كبيرة من النفط، فتحولت الأرض إلى حقل منتج للذهب الأسود، وأصبحت سارة، وهي في الحادية عشرة، صاحبة ثروة كبيرة. وتشير المصادر إلى أن الحقل كان ينتج نحو 2500 برميل من النفط يوميًا، محققًا عوائد ضخمة لمالكتها الصغيرة.
انتشرت قصة سارة في الصحف الأميركية والعالمية، وأصبحت محط اهتمام واسع، حتى تلقت الهدايا وعروض الزواج وهي لا تزال طفلة. غير أن ثروتها أثارت أيضًا مخاوف وقلقًا في مجتمع تحكمه آنذاك قواعد التمييز العنصري. وفي عام 1913، ظهرت محاولات في أوكلاهوما لإعادة تصنيفها عرقيًا بصورة تمنحها وضعًا أقرب إلى البيض.
ومع ازدياد الحديث عن ثروتها، انتشرت شائعات ومحاولات لاستغلال أموالها، وأثيرت تساؤلات حول الأوصياء البيض الذين أُسندت إليهم إدارة ثروتها بسبب صغر سنها. وقد دفع ذلك عددًا من الحقوقيين، ومن بينهم بوكر تي. واشنطن، إلى الاهتمام بقضيتها وانتقاد نظام الوصاية المفروض عليها.
كبرت سارة، والتحقت بمعهد توسكيجي، ثم انتقلت إلى مدينة كانساس في ولاية ميسوري، حيث عاشت حياة ميسورة، واقتنت الملابس الفاخرة والسيارات، وتزوجت مرتين وأنجبت ثلاثة أطفال. غير أن الكساد الكبير أتى على جزء كبير من ثروتها.
وهكذا تكشف قصة سارة ريكتور مفارقة مؤلمة في التاريخ الأميركي: طفلة أفريقية الأصل صنعت ثروتها من النفط في وقت كانت فيه قوانين التمييز تحاول أن تحد من حقوق السود ومكانتهم. لقد كان الذهب الأسود سببًا في شهرتها وثروتها، لكنه جعل حياتها أيضًا ساحة لصراع مبكر حول المال والعرق والوصاية والحق في امتلاك الثروة.
رحلت سارة ريكتور عام 1967، عن عمر ناهز الخامسة والستين، لكن قصتها لم ترحل معها. فقد بقيت شاهدًا على أن الأرض قد تخبئ أكثر مما تراه العيون، وأن الثروة حين تهبط فجأة على حياة الإنسان لا تكون دائمًا نعمةً خالصة، بل قد تصبح امتحانًا للحق والكرامة والقدرة على حماية ما يملكه المرء. وبين طفلةٍ لم تتجاوز الحادية عشرة وحقل نفطٍ غيّر مصيرها، بقيت حكاية سارة ريكتور واحدة من تلك الحكايات التي يتجاور فيها بريق الذهب مع ظلال التاريخ، ويظل الإنسان فيها أهم من الثروة، وأبقى من النفط.
كاتب رأي
