كُتاب الرأي

أثر لغة القرآن في سمو الأخلاق

أثر لغة القرآن في سمو الأخلاق

أرواح تتنفس بضياء البيان، تسري في طياتها سكينة الآيات وحكمة البلاغة، فتنطبع على أخلاقهم سيمياء الوقار والجمال.
إن لغة الضاد ليست مجرد أدوات للتواصل أو قوالب جامدة للنحو والصرف، بل هي كينونة روحية ومرآة صافية تعكس نقاء السريرة وسمو النفس، ومن تأمل تراث هذه اللغة العريقة وعاش مع متونها، يدرك يقيناً أن الارتقاء في مدارج العربية يتماهى طردياً مع الارتقاء في معارج الأخلاق والتهذيب.
حين تتشرب النفس رقة البيان وبلاغة التعبير، يرتفع الذوق الإنساني إلى أفق تتلاشى فيه الخشونة والفظاظة، فصاحب العربية الحق يرى في الحرف ميراثاً مقدساً، وفي الكلمة أمانة تثقل الميزان؛ لذا تراه منتقياً لألفاظه، حريصاً على ألا يجرح بها شعوراً أو يؤذي بها إنساناً، هذا التوقد الذوقي ينسحب بطبيعته على سلوكه اليومي، فيصبح تعامله مع الناس لوحة فنية عنوانها اللطف، ونسيجها الرفق، وتاجها الذوق السليم الذي يدرك مواطن الجمال فيدنو إليها، ويتجنب مواطن القبح فيربأ بنفسه عنها.
غير أن التميز الأجمل في شخصية المتقن للغة القرآن يكمن في ذلك التواضع الجم الذي يكسو علمه هيبةً ووقاراً، وكلما ازداد المرء تبحراً في علوم العربية وعمقاً في بحارها، كلما تكشفت له عظمة الفصاحة وتعاظمت في عينيه أسرار البيان، فأدرك ضآلة ما يحيط به قياساً إلى بحر المعرفة الممتد، هذا الإدراك العميق يولّد تواضعاً لا نظير له، بعيداً عن الكبر والتعجرف؛ فالعالم الحقيقي بلغته وأدبه كالنخلة المثقلة بالثمر، وكلما دنا قطافها انحنت تواضعاً.
وحين تجتمع هذه الخلال السامية من خلق رفيع، وذوق عال، وتواضع جم، فإنها لا تكون مجرد صفات عابرة، بل هي الدلالة الأوضح والعلامة الأصدق على تغلغل روح العربية في الأعماق.
إنها الثمرة الطيبة لشجرة القرآن الكريم، التي من وفّق للإبحار في علومها والتضلع من معانيها، انعكست أنوارها جلاءً في سلوكه، وبهاءً في أخلاقه، وسمواً في روحه.

د. دخيل الله عيضه الحارثي

 

 

الدكتور دخيل الله عيضه الحارثي

أديب وشاعر سعودي ومشرف ومحرر زاوية (ومضة)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.