كُتاب الرأي

رسالة لم أبح بها

رسالة لم أبح بها

إلى من كان لي وطناً وأماناً، وملاذاً حين يطبق الجهد وتثقل الكواهل… يا من رحلتَ عن دنيانا وبقيتَ حيّاً في تفاصيل روحي، سلامٌ عليك في مأواك الأخير.
أكتب إليك اليوم، لا لأشكو جفاء الأيام، فالعالم من بعدك وإن بدا رحيباً، إلا أنه بات ضيقاً مظلماً كخرم إبرة.
أكتب إليك بحبر الدموع وأنين الحنين الذي لا ينطفئ؛ لأنني أدركتُ متأخراً، أو لعلّ الوقت لم يكن كافياً قط أن هناك كلماتٍ ظلت حبيسة الحلق، وأسراراً رقدت في قاع القلب، أبت الحروف أن تحملها يوم أن كنت معنا، مخافة أن ينغص دمع الفراق صفو لقاءٍ قصير.
كنتُ أظن أن الأيام ستمنحني متسعاً من الوقت لأقول لك ما تعجز الشفاه عن البوح به في زحمة الحياة.
كنت أمني نفسي بصباحاتٍ جديدةٍ أقبّل فيها يدك الطاهرة، وأغرق في دفء عينيك اللتين طالما حرساني من شرور الدنيا، لكن الموت، ذلك الزائر الثقيل، كان أسرع من كل أحلامي، فخطفك خطف البرق، تاركاً إياي وحدي في منتصف الطريق، أحمل إرثاً هائلاً من الشوق الذي لا يجد له مأوى.
أتعلم يا أبي؛ يا من كنت الأب والمعلم والسند أن أقسى ما في الرحيل هو ذلك الفراغ الهائل الذي تتركه خلفك؟ الفراغ الذي لا يملؤه صخب الحضور، ولا يواسي وحشته العابرون.
كم مرة احتجتُ إلى صوتك يرتل على مسامعي طمأنينة اليقين حين تشتد بي الكروب؟ كم مرة أردت أن أرتمي في ظلك الوارف لأبكي تعب الأيام؟ لكنني اليوم أجلس على عتبة غيابك، أقلب جمر الذكريات، وأبحث عن وجهك في تفاصيل الأشياء، فلا أجد غير صدى صوتك الطائر في أرجاء الذاكرة.
أعتذر لك… أعتذر عن كل لحظة تقصيرٍ بدرت مني، عن كل مرة غفلت فيها عن عظيم فضلك وأنت تبذل زبدة عمرك وسنين حياتك لأكون ما أكونه اليوم، أعتذر لأنني لم أسمعك بالقدر الكافي كم أنا مدينٌ لروحي بقربك، وكم كنتُ أرى في عينيك أماناً يكفي لأواجه به طوفان العالم.
اليوم، وقد أطبق الصمت عليك، وأصبحتُ أنا المخاطِب والسامع في آنٍ واحد، أرفع وجهي المتعب إلى السماء، وأردد ما عجز لساني عن نطقه يوم كنت حيّاً بيننا: شكراً بحجم الجنة التي أرجو أن تكون فيها، شكراً على كل قطرة عرق بذلتها لأجل راحتي، وعلى كل درسٍ حياةٍ زرعته في باطن روحي.
رحلتَ عن عيني، لكنك لم ترحل عني قط، فأنت تسكنني، تمشي في خطاي، وترافق دعواتي التي لا تنقطع، عذراً لأن هذه الرسالة جاءت متأخرةً بعد أن أغلقتِ الأبواب وتفرق الأحبة، لكنني أثق أن ريح الحنين العابرة ستصل إليك، لتخبرك أن ابنك ما زال على عهد الحب والوفاء، يذكرك في كل سجدة، ويستودعك عند الله حتى يجمعنا اللقاء الأبديّ الذي لا فراغ بعده.
تغمّدك الله بواسع رحمته، وأسكنك فسيح جناته.
أما أنتم يا أبناء هذا الزمان، يا من تملكون نعمة الحياة وبين أيديكم والديكم أحياءٌ يرفلون في ثياب الصحة والعافية؛ لا تنتظروا غيابهم لتكتبوا لهم رسائل بعد فوات الأوان.
اقتربوا الآن، قبّلوا أيديهم، وأسمعوهم ما تكنه صدوركم من حب وشوق وامتنان، فما أسرع الموت، وما أقسى الحروف حين تُقال لمن لا يسمع.

د. دخيل الله عيضه الحارثي

 

 

الدكتور دخيل الله عيضه الحارثي

أديب وشاعر سعودي ومشرف ومحرر زاوية (ومضة)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.