كُتاب الرأي

ميلاد الطموح في وطن يصنع مستقبله

ميلاد الطموح في وطن يصنع مستقبله

محمد الفريدي

في 31 أغسطس من كل عام، نستحضر كلنا مناسبة تحمل في تفاصيلها الكثير من المعاني الوطنية، مناسبة لا تتوقف عند الاحتفاء بيوم ميلاد شخصية قيادية، وإنما تفتح مساحة للتأمل في مسيرة وطن يعيش مرحلة تاريخية مختلفة، ويخطو بثقة نحو مستقبل أكثر تنوعا وطموحا.

نتحدث عن قيادة اختارت أن تنظر إلى المستقبل بعين مختلفة، وتتعامل مع المتغيرات العالمية باعتبارها فرصا يمكن تحويلها إلى منجزات، ومنذ توليه مسؤولياته، برزت رؤية واضحة تقوم على تعزيز حضورنا، وتطوير اقتصادنا، وتمكين أبنائنا وبناتنا، وفتح مساحات جديدة أمام طاقاتنا الوطنية.

لقد أصبحنا نعيش في المملكة تحولا واسعا في قطاعات متعددة، من الاقتصاد والاستثمار والسياحة والثقافة والترفيه والتقنية والرياضة، وصولا إلى تطوير منظومة الخدمات الحكومية وتعزيز جودة الحياة، وهذه التحولات لم تأت منفصلة عن رؤية وطنية متكاملة، وإنما جاءت ضمن مشروع طويل المدى يهدف إلى بناء اقتصاد أكثر تنوعا، ومجتمع أكثر حيوية، ودولة أكثر قدرة على المنافسة.

في هذا اليوم يصادف ميلاد صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، وفي هذه المناسبة، أجمل ما يمكن أن نقدمه له هدية هو قراءة ما تحقق، والتطلع إلى ما يمكن أن يتحقق في السنوات المقبلة، فالقادة العظام لا تقاس قيمتهم بالمناسبات التي يحتفى بهم، وإنما بما يتركونه من أثر في حياة شعوبهم، وما يفتحونه من أبواب أمام الأجيال القادمة.

فقد استطاع أن يجعل من مستقبلنا مشروعا حاضرا في خطابنا الوطني، ولم تعد أحاديثنا عن المستقبل مجرد أمنيات معلقة، وإنما أصبحت جزءا من عملنا اليومي في مؤسسات دولتنا ومشروعاتها وخططها، وأصبحنا نرى انعكاسات هذا التوجه في تفاصيل كثيرة من حياتنا، وفي الفرص التي تتوسع أمام شبابنا، وفي القطاعات الجديدة التي تستقطب الاستثمارات، وفي المدن التي تتغير ملامحها بسرعة، وفي حضورنا المتزايد على المستويين الإقليمي والدولي.

ولعل أبرز التحولات التي تستحق التوقف عندها هو التحول في نظرة مجتمعنا إلى طاقات شبابنا، فالشباب السعودي لم يعد ينظر إلى نفسه باعتباره باحثا عن الفرص فقط، وإنما أصبح شريكا في صناعة هذه الفرص، ونرى شبابنا في ريادة الأعمال، والتقنية، والإعلام، والثقافة، والفنون، والرياضة، والبحث العلمي، وفي قطاعات اقتصادية جديدة تحتاج إلى عقول وطنية قادرة على الابتكار والمنافسة.

وهذا التحول يمثل جوهر أي مشروع وطني ناجح؛ لأن التنمية الحقيقية لا تقاس بعدد المشروعات وحدها، وإنما بقدرتنا على البناء، وتمكيننا، ومنحنا الثقة والمساحة التي تساعدنا على تقديم أفضل ما لدينا.

وفي مسيرة التحول الوطني، أصبحت المرأة السعودية شريكا فاعلا في مختلف المجالات، ودخلت قطاعات كانت مشاركتها فيها من سابع المستحيلات، وتقدمت في مواقع العمل والقيادة، وأثبتت قدرتها على صناعة الإنجازات، وهذا التحول لم يكن مجرد تغيير في الأرقام، وإنما انعكس على صورة مجتمعنا وقدرتنا على الاستفادة من جميع طاقاتنا البشرية.

كما أن ثقافتنا وفنوننا أصبحت جزءا مهما من مشهدنا الوطني المتجدد، فنحن نمتلك تاريخا عريقا وتراثا غنيا، وبدأنا نستثمر بصورة أكبر في قوتنا الثقافية، ونقدم للعالم صورتنا الحضارية، ونمنح المبدعين والمبدعات منا فرصا أوسع للتعبير عن مواهبنا، وفي هذا المجال، لم يعد الاهتمام بثقافتنا أمرا ثانويا، وإنما أصبح جزءا من بناء هويتنا وتعزيز حضورنا في العالم الذي يدعي زورا أنه الأول، ونحن الثالث.

وفي الاقتصاد، انتقلنا إلى مرحلة أكثر اتساعا في التفكير والطموح، فتنويع مصادر دخلنا، واستقطاب الاستثمارات، وتطوير قطاعاتنا الواعدة، وتعزيز محتوانا المحلي، ودعم منشآتنا الصغيرة والمتوسطة، كلها مسارات تهدف إلى بناء اقتصاد أكثر قدرة على مواجهة المتغيرات العالمية.

ولا يمكن فصل حراكنا عن رؤيتنا 2030 التي أصبحت إطارا جامعا لعدد كبير من التحولات والمشروعات، والأهم من رؤيتنا نفسها هو قدرتنا على تحويل أهدافها إلى برامج ومبادرات يشعر المواطن والمقيم بآثارها على أرض الواقع.

إن القيادة الطموحة تحتاج إلى مجتمع طموح، ونحن نمتلك اليوم جيلا شابا يمتلك المعرفة والطموح والرغبة في المشاركة، ولذلك فإن مسؤولية المرحلة المقبلة لا تقع على الدولة وحدها، وإنما تشمل كل فرد يعيش على أرض هذا الوطن.

المواطن الذي ينجح في مشروعه يشارك في بناء اقتصادنا، والباحث الذي ينتج معرفة جديدة يشارك في صناعة مستقبلنا، والمعلم الذي يبني جيلا واعيا يشارك في صناعة وطننا، والإعلامي الذي ينقل الحقيقة بمهنية يسهم في حماية مجتمعنا، والموظف الذي يؤدي عمله بإخلاص يضيف لبنة جديدة إلى مسيرة تنميتنا.

ومن هنا، فإن الاحتفاء بيوم ميلاد ولي العهد سوف نحوله في صحيفتنا من مناسبة للتهنئة إلى مناسبة لتجديد العهد بالعمل، فالأوطان لا تبنى بالتصفيق وحده، ولا تتقدم بالشعارات، وإنما بالعمل والانضباط والمسؤولية والإتقان.

إن مملكتنا تعيش اليوم مرحلة استثنائية في تاريخها الحديث، وتملك من الإمكانات ما يؤهلها لصناعة مستقبل مختلف، فلدينا موقع جغرافي مهم، وثروات طبيعية، واقتصاد كبير، ومجتمع شاب، ومكانة دينية عالمية، وقيادة تمتلك رؤية واضحة، وكل هذه المقومات تمنحنا فرصة تاريخية لتعزيز حضورنا بين الدول الأكثر تأثيرا في العالم.

وفي هذه المناسبة، نستحضر كذلك علاقتنا الراسخة بقيادتنا، وهي علاقة لم تبن على الكلمات وحدها، وإنما تشكلت عبر عقود من العمل الوطني، وازدادت رسوخا مع كل إنجاز يضاف إلى رصيد مملكتنا.

لقد أصبح الأمير محمد بن سلمان بالنسبة لنا وإلى كثير منا عنوانا لمرحلة تتسم بالطموح وسرعة الإنجاز والانفتاح على العالم مع محافظتنا على ثوابتنا الوطنية، وهذه المعادلة ليست سهلة، فالتحديث الحقيقي يحتاج إلى توازن يحافظ على هويتنا، ويستفيد من أدوات عصرنا، ويمنحنا القدرة على التطور دون أن نتخلى عن جذورنا.

ومن المهم ونحن نحتفي بهذه المناسبة أن ندرك أن بناء المستقبل ليس مهمة تنتهي عند تاريخ معين، فكل مرحلة تفتح أمامنا مسؤوليات جديدة، وكل نجاح يفرض علينا البحث عن نجاح أكبر، وكل إنجاز يجعل سقف طموحنا أعلى.

لذلك، فإن أفضل هدية يمكن أن نقدمها لولي العهد في يوم ميلاده هي أن نكون جزءا من مشروعه الوطني الذي يقوده، وأن نعمل بإخلاص، ونحترم النظام، ونحافظ على مكتسبات وطننا، ونشارك في تنميته، ونقدم صورة تليق به، ونسهم في بناء مجتمعنا ليصبح أكثر وعيا وقدرة على مواجهة تحدياته.

في يوم ميلاده، لا نحتفي بعمر رجل فقط، وإنما نستحضر مرحلة من عمر وطن، وطن يكتب فصلا جديدا من تاريخه، ويؤمن أن المستقبل لا ينتظر من يخاف منه، وإنما يفتح أبوابه لمن يمتلك الشجاعة على صناعته.

كل عام وولي عهدنا بخير، وكل عام ومملكتنا أكثر قوة واستقرارا ورخاء ونماء، وكل عام وشعبنا يمضي بثقة نحو مستقبل يليق بتاريخه ومكانته وطموحات قيادته.

وكل عام والوطن في قلب طموحاتنا، وكل عام وطموحاتنا تتحول إلى منجزات، وكل عام ومملكتنا تمضي إلى المستقبل بثقة وثبات.

كاتب رأي

محمد الفريدي

رئيس التحرير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.