أصحاب الأثر

عثمان العمير.. صانع المنابر

عثمان العمير.. صانع المنابر

محمد الفريدي

يعد الصحفي والإعلامي السعودي الكبير عثمان العمير واحدا من أبرز الأسماء التي تركت أثرا واضحا في تاريخ صحافتنا الحديثة، ليس فقط بوصفه صحفيا تقليديا، وإنما باعتباره رائدا من رواد التحول الرقمي، ومؤسسا لتجربة صحفية تجاوزت حدود الورق إلى فضاء الإنترنت.

وُلد عثمان موسى بن عمير العمير في الخامس والعشرين من أغسطس عام 1950م في محافظة الزلفي، ونشأ في بيئة محافظة، كان لوالده الشيخ موسى بن عمير أثر بارز في تكوينه الفكري والديني، فيما أسهمت والدته في غرس قيم التعليم والانضباط في شخصيته منذ سنواته الأولى.

وأسهم هذا التكوين المبكر، الذي جمع بين بيئة دينية محافظة وانفتاح لاحق على مدن متعددة، في تشكيل ملامح شخصيته التي مزجت بين الأصالة والانفتاح في آن واحد.

انتقلت أسرته في وقت مبكر إلى المدينة المنورة مع توسع مشروع الجامعة الإسلامية، وهناك عاش مرحلة مهمة من طفولته، واحتك بثقافات متعددة وطلاب قَدِمُوا من مختلف أنحاء العالم الإسلامي.

وكان لهذا التنوع الثقافي المبكر أثر بالغ في تشكيل وعيه، فقد فتح أمامه آفاقا أوسع من البيئة المحلية التقليدية، وجعله أكثر قدرة على استيعاب التعدد الثقافي والفكري الذي اِنْعَكَسَ لاحقا على مسيرته الصحفية.

وحين بدأت ملامح شَغَفِهِ بالصحافة تَتَبَلْوَرُ، انتقل إلى الرياض والتحق بالعمل الصحفي في سن مبكرة، وبدأ كمراسل رياضي في عدد من الصحف مثل (الندوة) و(الرياض) و(اليمامة)، وهي خطوة شَكَّلَتْ مَدْخَلَهُ الحقيقي إلى عالم الإعلام.

في تلك المرحلة، لم يكن الصحفي مجرد ناقل للخبر، وإنما كان باحثا عن ذاته داخل مهنة تتطلب الصبر والدقة وسرعة التفاعل مع الأحداث.

واصل العمير تعليمه في المعهد العلمي بالرياض، ثم التحق بجامعة الإمام محمد بن سعود، غير أن مسيرته العملية في الصحافة كانت تتقدم بوتيرة أسرع من مساره الأكاديمي، فقد جذبته المهنة بكل تفاصيلها، فاختار أن يغوص فيها مبكرا وفضّلها على مواصلة الدراسة.

في مطلع السبعينات، التحق بصحيفة (الجزيرة)، وعمل مراسلا، ثم تولى رئاسة القسم الرياضي، قبل أن ينتقل إلى مواقع أكثر تأثيرا داخل المؤسسة، وخلال تلك المرحلة اكتسب خبرة واسعة وتعرّف على آليات العمل الصحفي، وهو ما أهّله لاحقا للانتقال إلى مرحلة أكثر نضجا وقوة في مسيرته المهنية.

والتحول الأهم في حياة عثمان العمير جاء مع انتقاله إلى لندن في الثمانينات، وعمله مراسلا صحفيا لعدد من الصحف العربية، وإقامته هناك لفترة طويلة.

وخلال إقامته في بريطانيا، تأثر العمير بالبيئة الصحفية التي كانت تتمركز آنذاك في شارع فليت الشهير، الذي مثّل لعقود قلب الصحافة البريطانية، وأتاح له الاحتكاك بهذه البيئة متابعة التحولات التقنية والتحريرية في الإعلام الغربي، ما انعكس لاحقا على رؤيته لمستقبل الإعلام العربي.

وفي لندن، لم يكن مجرد مراسل ينقل الأخبار، وإنما كان يعيش في قلب التجربة الإعلامية العالمية، ويتابع عن قرب تطور الصحافة الغربية، ويطوّر أدواته المهنية واللغوية، وقد أتاح له ذلك فرص تعاون مع مؤسسات إعلامية كبرى مثل (ذا إندبندنت) و(نيويورك تايمز) و(وول ستريت جورنال).

هذا الاحتكاك المباشر بالإعلام الغربي منحه رؤية مختلفة للصحافة تقوم على السرعة والتحليل والانفتاح على الرأي الآخر، وقد انعكس ذلك على مشاريعه الإعلامية، خصوصا في تجربته الرقمية الأهم.

وفي الوقت نفسه، ظل ارتباطه بوطنه حاضرا رغم إقامته خارج البلاد، فقد واصل متابعة شأننا الداخلي وكتابة المقالات والتحليلات التي تناولت التحولات السياسية والاقتصادية والثقافية في المملكة، كما حافظ على شبكة واسعة من العلاقات مع الإعلاميين والكتّاب والمثقفين السعوديين، وظل حريصا على إبراز التجارب الوطنية الناجحة والتعريف بها في المنصات الإعلامية التي أشرف عليها.

في عام 2001، أطلق صحيفة إيلاف الإلكترونية، التي تُعد من أوائل الصحف الإلكترونية العربية، ولم تكن مجرد منصة إخبارية، وإنما كانت تحولا جذريا في مفهوم الصحافة العربية، فقد انتقل الخبر من الورق إلى الشاشة، ومن الانتظار إلى التحديث اللحظي، في الوقت الذي كانت فيه الصحافة العربية ما تزال تعتمد بشكل كبير على النمط الورقي.

شكلت إيلاف نقطة تحول مهمة في الإعلام العربي، فقد قدمت نموذجا جديدا للصحافة يقوم على السرعة، والتحديث المستمر، والانفتاح على الجمهور العالمي، وقد أسهم هذا المشروع في ترسيخ اسم عثمان العمير كأحد رواد الإعلام الرقمي في العالم العربي، وكرجل سبق زمنه في فهم التحولات التقنية والإعلامية.

ومع اتساع حضور الإعلام الرقمي في العالم العربي، برز عثمان العمير بوصفه أحد الأسماء التي استشرفت هذا التحول مبكرا، ودافع عن أهمية الانتقال إلى النشر الإلكتروني والاستفادة من التقنيات الحديثة في إيصال المحتوى إلى الجمهور، وقد أسهمت هذه الرؤية في ترسيخ مكانته كأحد رواد الصحافة الرقمية العربية في مرحلة كانت فيها هذه التجربة لا تزال في بداياتها.

لم تتوقف مسيرته عند إيلاف، وإنما توسعت لتشمل مشاركات واستثمارات في مجال النشر والصحافة، إضافة إلى إدارة وتطوير مشاريع إعلامية متعددة في العالم العربي وخارجه، كما ارتبط اسمه بتجارب صحفية متنوعة في الصحافة الورقية والإلكترونية، ما جعله شخصية متعددة الأدوار تجمع بين الصحفي ورجل الأعمال وصانع المشاريع الإعلامية.

يُعْرَفُ عن عثمان العمير أيضا اهتمامه الكبير بالثقافة والأدب، ويظهر ذلك جليا في كتاباته ومقالاته التي تَمْزُجُ بين التحليل السياسي والرؤية الثقافية، كما أن لديه حضورا فكريا يتجاوز حدود الخبر اليومي إلى طرح الأسئلة الكبرى حول الإعلام والحرية ودور الصحافة في تشكيل الوعي العام.

وقد عُرف عنه كذلك اهتمامه بالمواهب الصحفية الشابة، ومنح الفرصة لعدد من الكتّاب والإعلاميين العرب للظهور عبر المنابر التي قادها، مؤمنا بأن الإعلام لا يتطور إلا بتعاقب الأجيال وتنوع الأصوات، ولهذا ارتبط اسمه لدى كثير من الصحفيين بكونه داعما للتجارب الجديدة ومشجعا على خوض مسارات مهنية غير تقليدية.

لم تكن قيمة عثمان العمير في عدد المنابر التي مر بها أو المشاريع التي شارك في تأسيسها فقط، وإنما في قدرته على بناء حضور إعلامي يستمر مع تغير الوسائل وتبدل الأجيال، فقد أدرك مبكرا أن قوة الصحفي لا تقاس بموقعه داخل المؤسسة، وإنما بقدرته على ترك أثر يتجاوز حدود الوظيفة إلى صناعة الثقة وحفظ العلاقة مع القارئ، ولذلك بقي اسمه حاضرا في ذاكرة الصحافة العربية، ليس باعتباره شاهدا على مراحل تحولها فحسب، وإنما بوصفه أحد الذين عاشوا تلك التحولات وشاركوا في صياغة بعض ملامحها، وحافظوا على حضورهم رغم تغير أدوات المهنة ووسائلها.

وقد أثارت مسيرته كثيرا من الجدل، كما هو حال العديد من الشخصيات المؤثرة في الإعلام العربي، ولم يُلْغِ ذلك حقيقة أنه أحد الأسماء التي أسهمت في تغيير شكل الصحافة العربية، خصوصا في مرحلة التحول الرقمي، مع بقاء تأثيره حاضرا في المشهد الإعلامي بين مؤيد ومعارض، سواء من خلال تجربته أو النموذج الذي قدّمه في إدارة الصحافة الإلكترونية.

ويُنظر إليه اليوم بوصفه شخصية إعلامية تمتلك رؤية خاصة كَسَرَتْ النمط التقليدي، وانفتحت على التجربة العالمية، ولم تكتفِ بالإطار المحلي الضيق، وجعل هذا التوجه منه شخصية قريبة من دوائر الإعلام الدولية، وفي الوقت نفسه مثارا للنقاش داخل المشهد الإعلامي العربي.

كما ظل اسمه حاضرا في الأوساط الإعلامية البريطانية والعربية، وتوج ذلك بتكريمه في البرلمان البريطاني تقديرا لإسهاماته في الإعلام العربي ودعم حرية التعبير، في مناسبة عكست مكانته بعد مسيرة امتدت لأكثر من خمسة عقود في عالم الصحافة والإعلام.

وسيظل واحدا من أهم الأسماء البارزة في تاريخ الصحافة السعودية والعربية، بما قدمه من مسيرة مهنية امتدت لعقود، وأسهمت في إثراء الساحة الإعلامية وفتحت آفاقا جديدة أمام أجيال من الصحفيين، وبما تركه من أثر وأفكار ورؤى تجاوزت حدود المهنة إلى صناعة حضور مستمر في الذاكرة الإعلامية والوطنية.

رئيس التحرير

محمد الفريدي

رئيس التحرير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.