موسوعة اللصوص وحكم الأوليغارشيون

موسوعة اللصوص وحكم الأوليغارشيون
مشعل الحارثي
موسوعة اللصوص او “أشعار اللصوص وأخبارهم” هو عمل أدبي وتاريخي مهم ، لصاحبه الأديب السوري عبد المعين الملوحي، وقد جمع وحقِّق هذه الموسوعة التي صدرت نسختها الأولى في عام 1984، ثم طُبعت في عدة أجزاء ،و هي تتناول جوانب مدهشة ومختلفة من التراث العربي القديم. وتناولت بالعرض قصائد شعراء عاشوا خارج القانون قبل الإسلام وبعده ، وتحكي قصصهم وطرق عيشهم في الصحراء وظروفهم القاسية ، ومن امثلتهم عروة بن الورد الذي عُرف بـ “لص الفقراء” لأنه كان يسرق ليطعم المحتاجين ، وتأبط شرا أشهر شعراء العصر الجاهلي ، والسليك بن سلكةوغيرهم ، وسبق هذه الموسوعة صدور عدة كتب تراثية قديمة أمثال كتاب (اللصوص) للجاحظ وهو كتاب مفقود ،كما ذكر إبن النديم في كتابه “الفهرست” العديد من الكتب التي تحدثت عن طائفة السُرّاق، وفنون السرقة، ومن ضمنها: “كتاب السرقة وقطاع الطرق” لمؤلفه محمد بن حسن المتوفى سنة 189 هـجرية، الذي يعتبر أقدم الكتب في هذا المجال ، وكتاب “الحراب واللصوص” لأبي هلال لقيط المحاربي المتوفى سنة 190هـ؛ وأيضا كتاب “الراحة ومنافع العيارة” لأبي العنبس الصميري المتوفى سنة 256هـ؛ وكتاب “أشعار اللصوص” لأبي سعيد السكري المتوفى سنة 275 هـ؛ وهو متقدم زمنياً بالإضافة الى “كتاب السرقة” لأبي سليمان داود بن علي الأصفهاني، المتوفى سنة 270هـ ، وكلها مجتمعة تكشف أن للسرقة واللصوصية سجلا حافلا وتراثا فنيا وأدبيا، انعكس من طبيعة الوقائع الاجتماعية وحالها في تلك الأزمنة، وكان ثمة طبقات في اللصوص أنفسهم لهم ثقافتهم العامة وقيمهم ومبادئهم ومنهجهم في ذلك ومنهم كبير اللصوص في العهد العباسي (أدهم بن عسقلة) الذي ترك وصية لأتباعه اللصوص قال فيها : «لا تسرقوا امرأة ولا جاراً ولا نبيلاً ولا فقيراً، واذا سرقتم بيتاً فاسرقوا نصفه واتركوا النصف الآخر ليعتاش عليه أهله ولا تكونوا مع الأنذال»..! فهذه صورة من صور اللصوص النبلاء وأخلاق السرقة لديهم فهل ياترى حافظ لصوص هذا الزمان على هذه الوصية؟ أم تنكروا لها وخانوها وتجاوزوا معانيها ودلالاتها ؟!!
ولعل الملوحي في موسوعته تلك يجيب على هذا التساؤل ويخلص إلى أن أساليب اللصوص خلال العصور المتتابعة تغيرت تغيراً كبيرا ، وأن زمن بعض الأساليب قد انتهى، وجرى استحداث أساليب جديدة لا عهد للقدماء من اللصوص بها، خاصة بعد ظهور لصوص من طينة أخرى، وهذه خلاصة منطقية، وملموسة على أرض الواقع الراهن بوجه عام . فاللصوص في هذا العصر هم من يتربعون على مملكة السيادة والقيادة والريادة، سواء على مستوى الدول أو الأحزاب أو الحركات أو التنظيمات أو المجتمعات أو الكيانات الكبيرة والصغيرة ، ولهم حضورهم ووجودهم في كل مكان من ارجاء المعمورة ، وتعددت الوانهم وتوحدت أهدافهم ، وهم لايتعرضون للمحاسبة والمعاقبة، ولايخضعون للقانون ، لأنهم سرقوا ما لم يتعود اللص العادي على سرقته، فسرقوا ما هو أثمن من كل شيء ، سرقوا الأوطان والشعوب ومقدراتها ،وسرقوا دماءهم، وجهدهم، وعرقهم ، وتاجروا بأرواح الشهداء والاسرى والأيتام والآم الموجوعين والمكلومين في سبيل الثروة، ومن أخطر أنواعهم أولئك الذين يمارسون لصوصيتهم باسم الدين ، إلى جانب لصوص التاريخ والحضارة، ولصوص الفكر ، والهوية واللغة والآثار والتراث ، بل من أكبر لصوصهم في هذا العصر أولئك الذين يدعون ممارستهم للديمقراطية او مايعرف بالبيروقراطية المواربة التي تساير وتواكب في المظهر، وتماطل وتعترض في الجوهر، ويتسترون بثوبها الفضفاض ، بل و نصبوا أنفسهم راعين للإنسانية وحقوق الأخرين ، بينما هم في حقيقتهم من يعيثون في الأرض الفساد ، ومن لا همّ لهم إلا إقصاء كل من يحاول كشف فسادهم وسرقاتهم ومخازيهم . إن الحديث عن لصوص العصر يقودنا للحديث عن نواتهم ومنبتهم والمتمثلة في «الأوليغارشيون». والأوليغارش كلمة يونانية تعني «حكم الأقلية» ، وقد استخدمت روسيا هذا المصطلح للإشارة إلى مجموعة من سبعة أشخاص بينهم ستة من اليهود يحملون الجنسية «الإسرائيلية»، استغلوا انهيار النظام الشيوعي في روسيا لسرقة المال العام والخاص وتكوين ثروات وصلت إلى مليارات الدولارات، من خلال الهيمنة على مصادر النفط والغاز والمعادن الطبيعية بطرق غير مشروعة، من بينها الرشوة،والسلب، وتصفية الخصوم والمعارضين على طريقة المافيا، وكل واحد من هؤلاء السبعة لديه ميليشيا قوية للدفاع عن مصالحه، كما أنهم كانوا يسيطرون على كل شبكات التلفزيون ومعظم الصحف في روسيا، بل كانوا هم من يحكمون روسيا ،حتى جاء الرئيس بوتين وفتح تحقيقا مع هؤلاء« الأوليجارشيين» وطاردهم من مكان إلى أخر وسجن بعضهم وهرب البعض الآخر إلى إسرائيل واستقر بها. ويماثل قضية الأوليجارشيين الروسية تلك قضية «البارونات اللصوص» من اليهود الذين قاموا بنشاط مماثل في الولايات المتحدة في نهاية القرن التاسع عشر انتهى بالسيطرة على سوق المال والإعلام فيها، وعلى أمريكا كلها ، وأصبح اغلب نشاطهم يعد من ضمن أهداف و مخططات اليهود والصهيونية للسيطرة على العالم ، ومانراه اليوم من تحكم بعض المليشيات في مصير العديد من دول العالم العربي والاسلامي او مايعرف بالشبكات المنظمة (الكليبتوقراطية)، والتي تستبدل الشعارات الأيديولوجية أو الطائفية بالابتزاز المالي،وتحقيق ثروات طائلة على حساب الشعوب .
وعليه فإن الوحدة الحقيقية باتت أمرًا ضروريًا وحتميا لضمان أمننا، والحفاظ على ثرواتنا، ومصيرنا كعرب ومسلمين ، وهو مايستدعي أيضا الكشف عن حقيقة هؤلاء اللصوص ، والبحث عمن يقف ورائهم مساندا وداعما ومؤيدا ، ولكي لاتصبح أوطاننا فريسة للموامرات الصهيونية الخبيثة، ومرتعا تتسلط عليه المليشيات المنفلتة، وارباب الإجرام والفساد ،ولصوص العصر فهم صورة حية للواقع الحديث .
كاتب رأي


