العراق بعد الانسحاب الأمريكي ..

العراق بعد الانسحاب الأمريكي ..
معركة القرار والسلاح .
رؤية تحليلية عسكرية .
الأربعاء الموافق ( 30 ) سبتمبر ( 2026 )م .
كتبه؛ اللواء البحري الركن المتقاعد / عبدالله بن سعيد الغامدي دبلوماسي سابق وخبير في الدراسات الاستراتيجية .
( أخطر ما بعد انسحاب القوة الأمريكية من العراق ليس الفراغ الذي تتركه في القواعد، بل القوة التي تسارع إلى ملئه، والقرار الذي سيحكم استخدامها . )
اكتمال الانسحاب العسكري الأمريكي من العراق لا ينبغي أن يقرأ بوصفه نهاية مرحلة فحسب، بل بداية إعادة توزيع للقوة والنفوذ والمسؤولية داخل العراق وحوله . فالميدان الذي تخليه قوة كبرى لا يبقى ساكنا، وإنما تبدأ القوى الموجودة فيه باختبار المساحات الجديدة وحدود الحركة الممكنة .
وعسكريا، لا يبدو تكرار سيناريو ( 2014 ) هو الاحتمال الأكثر مباشرة . فالقوات العراقية اليوم أكثر خبرة وتنظيما، بينما فقد تنظيم داعش الإرهابي معظم قدرته السابقة على السيطرة على المدن والأرض، وإن بقيت خلاياه قادرة على استغلال الثغرات والمناطق النائية .
لكن الخطر هذه المرة قد يأتي من اتجاه مختلف .
فمركز الثقل بعد الانسحاب ينتقل من وجود القوات الأمريكية ومواجهة داعش إلى وحدة القرار العسكري العراقي نفسه .
ويبرز هنا التحدي الاستراتيجي الأثقل : النفوذ الإيراني المتجذر في الداخل العراقي، وسلاح الفصائل الإرهابية المسلحة التي ترتبط بطهران أو تتحرك خارج سلسلة القيادة الرسمية للدولة .
فالنظام الإيراني راكم خلال أكثر من عقدين شبكة واسعة من العلاقات والنفوذ السياسي والأمني والعسكري داخل العراق، وأقام صلات وثيقة بفصائل مسلحة يمتلك بعضها الصواريخ والطائرات المسيرة والقدرات القتالية والنفوذ السياسي . والمشكلة ليست في وجود علاقات سياسية بين دولتين جارتين ، وإنما في اللحظة التي يستطيع فيها سلاح داخل العراق أن يتحرك وفق حسابات تتجاوز قرار بغداد .
فأي سيادة تكتمل إذا بقي داخل الدولة سلاح يستطيع التحرك والقتال خارج قرار قيادتها الشرعية؟
والأخطر أن هذا التحذير لم يعد افتراضا في تقدير الموقف، بل أصبح واقعة ميدانية . فقد أكدت الحكومة العراقية أن التحقيقات أثبتت انطلاق الاعتداءات الأخيرة التي استهدفت المملكة العربية السعودية من الأراضي العراقية، وتحديدا من محافظة ميسان، واتخذت بغداد على إثر ذلك إجراءات شملت إقالة قائد عسكري مسؤول عن العمليات في المحافظة، وإعفاء قائد شرطة ميسان، وإحالة مسؤولين أمنيين إلى التحقيق، إلى جانب تشديد الإجراءات الأمنية قرب الحدود مع إيران .
كما أعلنت المملكة أن طائرات مسيرة انطلقت من الأراضي العراقية استهدفت خط أنابيب النفط ( شرق ـ غرب )، أحد أهم شرايين الطاقة والمنشآت الاقتصادية الحيوية، وأنها آثرت عدم الرد في هذه المرحلة، بناء على طلب رئيس الوزراء العراقي منح حكومته الفرصة لاتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع تكرار الاعتداءات المنطلقة من الأراضي العراقية تجاه المملكة ودول الجوار .
وهذا يفرض أن يقال الأمر بوضوح شديد :
لا يجوز أن تتحول أرض العراق إلى منصة صواريخ ومسيرات تضرب المنشآت الاقتصادية والحيوية والمدنية في دول الجوار، ثم يختبئ الإرهابيون الجناة خلف سيادة الدولة التي انتهكوا سيادتها قبل أن يعتدوا على سيادة غيرها .
فالجماعات الإرهابية المسلحة التي تستخدم أرض العراق لإطلاق الصواريخ والمسيرات خارج قرار الدولة لا تدافع عن العراق، بل تعرضه للخطر . وهي لا تحمي سيادته، بل تنتقص منها، ولا تبعد الحرب عنه، بل قد تستدعيها إلى أرضه .
ومن يطلق سلاحا من أرض العراق بقرار لا تملكه بغداد إنما يضع العراق نفسه في مرمى الرد، ويجعل شعبه وجيشه واقتصاده يدفعون ثمن حرب لم يقررها العراقيون .
وتكمن خطورة السلاح المرتبط بحسابات إقليمية خارجية في أنه لا ينازع الدولة حقها في احتكار القوة فحسب، بل قد يحول جغرافية العراق إلى ساحة لتصفية صراعات الآخرين .
وهذه ليست سيادة، بل تقويض لها من داخلها .
لقد رفعت فصائل مقربة من إيران طوال سنوات شعار مقاومة الوجود العسكري الأمريكي لتبرير استمرار سلاحها . واليوم يخرج الأمريكيون، فتتراجع إحدى الحجج الرئيسية التي استخدمت لتبرير استمرار ذلك السلاح .
وبذلك يتغير السؤال من :
متى يخرج الأمريكيون؟
إلى :
من يملك قرار استخدام القوة في العراق بعد خروجهم؟
وهذه هي القضية الأهم .
إن العراق ليس ساحة خلفية للنظام الإيراني، ولا ينبغي أن تتحول أرضه إلى أداة في صراع طهران مع خصومها . والجوار لا يمنح إيران حق التأثير في قرار الحرب والسلم العراقي، كما أن علاقاتها بفصائل مسلحة داخل العراق لا ينبغي أن تتحول إلى سلطة موازية لسلطة الدولة .
فالانسحاب الأمريكي يضع بغداد أمام اختبار سيادي حاسم : إما أن يكون قرار استخدام القوة للدولة ومؤسساتها وحدها، أو تبقى فصائل وجماعات مسلحة خارج قرار الدولة قادرة على اتخاذ قرارات قد تجر العراق إلى صراع إقليمي واسع .
دولة واحدة، وسلسلة قيادة واحدة، وسلاح يخضع لقرار واحد .
وفي منطق الدولة والسلطة، فإن القوة التي لا يضبطها القانون تنازع الدولة سلطانها، والسيادة التي تتعدد داخلها مراكز القرار تصبح سيادة منقوصة، والاستقلال الحقيقي لا يبدأ بخروج القوة الأجنبية فقط، بل بامتلاك الأمة قرار أمنها وحربها وسلمها بإرادتها وحدها .
فالقوة العسكرية تستطيع مطاردة خلية إرهابية وتدميرها، لكن المعركة الأصعب هي حماية القرار الوطني من قوة مسلحة تمتلك السلاح والنفوذ والارتباطات الخارجية، ولا تخضع بالكامل لإرادة الدولة .
( فالانسحاب يخرج القوة الأجنبية من الأرض، أما السيادة فتكتمل عندما لا يبقى فوق الأرض قرار عسكري أعلى من قرار الدولة . ) .


