كُتاب الرأي

من هرمز إلى فيرفورد ..

من هرمز إلى فيرفورد ..

هل تتسع دوائر المواجهة؟

رؤية تحليلية عسكرية .

الاثنين الموافق 28 سبتمبر 2026م .

كتبه؛ اللواء البحري الركن المتقاعد / عبدالله بن سعيد الغامدي دبلوماسي سابق وخبير في الدراسات الاستراتيجية .

أخطر الصراعات ليست تلك التي تشتد في ميدانها فحسب ، بل تلك التي تبدأ حدودها في التلاشي ، فتنتقل المخاطر من البحر إلى البر ، ومن ساحات القتال إلى القواعد البعيدة .

لم تعد المواجهة العسكرية الأمريكية الإيرانية محصورة في اتجاه واحد ، ولم يعد ممكنا قراءتها من خلال هرمز وحده . فبين رفض واشنطن للمقترح الإيراني ، واستمرار الاتصالات عبر الوسطاء ، ووقوع إصابات في صفوف عسكريين أمريكيين ، ثم التحقيق الأمني الجاري قرب قاعدة فيرفورد البريطانية ، نكون أمام أزمة تتحرك على أكثر من مسار في الوقت نفسه .

ويبقى مضيق هرمز العقدة الأشد حساسية في هذه المواجهة .

فالرئيس الأمريكي دونالد ترامب رفض المقترح الإيراني الأخير لإنهاء القتال وإعادة فتح المضيق ، لكنه قال إنه يتوقع استمرار المحادثات . وفي المقابل تتمسك طهران بشروط تتصل بخفض الضغط العسكري الأمريكي ورفع الحصار عن موانئها ، بينما تستمر الاتصالات غير المباشرة عبر الوسطاء . وبذلك لم يعد هرمز ممرا بحريا تتنازع الأطراف على حركته فقط ، بل أصبح ورقة تفاوض ثقيلة تمس أمن الطاقة والاقتصاد والملاحة الدولية .

غير أن التفاوض يجري والنار لم تنطفئ . فقد كشفت تقارير أمريكية عن إصابة ثمانية من مشاة البحرية الأمريكية في هجوم إيراني على سفينة في مضيق هرمز يوم 14 سبتمبر . ولا تكمن أهمية الحادث في عدد المصابين وحده ، بل في دلالته على مستوى الاحتكاك المباشر بين الطرفين ، وما قد يترتب عليه من حسابات للرد والتصعيد .

ثم جاءت فيرفورد لتضيف بعدا أمنيا جديدا إلى الموقف .

فقاعدة RAF Fairford في مقاطعة غلوسترشير ليست مطارا عسكريا عاديا . فهي مقر الجناح الأمريكي 501 للإسناد القتالي والسرب 420 للقاعدة الجوية ، وتعد موقع التشغيل الأمامي المفضل للقاذفات في أوروبا لدى قيادة الضربات العالمية للقوات الجوية الأمريكية ، كما أنها موقع التشغيل الأمامي الوحيد للقاذفات ضمن القوات الجوية الأمريكية في أوروبا .

وتتمثل مهمة السرب 420 في استقبال القوات المنتشرة وإيوائها وإدامتها ، وتوفير الإسناد الذي يمكّن القوات الأمريكية وقوات حلف شمال الأطلسي من تنفيذ طيف واسع من العمليات الجوية . وقد استضافت فيرفورد على مدى سنوات قاذفات استراتيجية أمريكية من طراز B-52 وB-1 وB-2 ، إلى جانب طائرات الاستطلاع والإسناد والنقل ، وهو ما يوضح طبيعة دورها بوصفها قاعدة استقبال وتشغيل وإدامة للقوة الجوية بعيدة المدى ، لا مجرد مطار لتمركز الطائرات .

وترتبط منظومة الإسناد بمنشأة RAF Welford التي تضم السرب 420 للذخائر ، وتصفها القوات الجوية الأمريكية بأنها ثاني أكبر منطقة لتخزين الذخائر التقليدية في أوروبا ، وتتمثل مهمتها الأساسية في دعم فيرفورد .

وهنا تكمن حساسية فيرفورد ؛ فقيمتها ليست فيما يوجد على أرضها في لحظة بعينها ، بل فيما تستطيع استقباله وتشغيله وإسناده عندما ينتقل القرار من الضغط السياسي إلى استخدام القوة .

وفي محيط القاعدة أوقفت الشرطة البريطانية خمسة رجال بريطانيين بعد رصد ثلاث مركبات قرب فيرفورد . وتولت شرطة مكافحة الإرهاب التحقيق للاشتباه في جرائم تتعلق بالمتفجرات والإعداد لعمل إرهابي . وقد أفرج عن الرجال الخمسة بكفالة مع استمرار التحقيق ، فيما تبحث السلطات احتمال وجود صلة بإيران ، وهي صلة لم تثبت حتى الآن ، وقد نفت طهران أي تورط في القضية .

وحتى الآن لم تثبت التحقيقات البريطانية وجود صلة بين الموقوفين وإيران ، كما لم تعلن السلطات طبيعة الهدف المحتمل بصورة نهائية . غير أن وقوع حادث أمني بهذه الحساسية في محيط قاعدة ترتبط بالمجهود الجوي الأمريكي يرفع من أهمية حماية منشآت الإسناد البعيدة عن مسرح المواجهة المباشر .

غير أن عدم ثبوت الصلة في هذه القضية لا يلغي سجلا أوسع يستحق الوقوف عنده . فقد نسبت سلطات قضائية وأمنية في عدد من دول العالم إلى أجهزة إيرانية قضايا ومخططات استهدفت معارضين وصحفيين وشخصيات سياسية خارج إيران ، وتراوحت بين المراقبة والخطف والتخطيط للقتل والاغتيال ، والاستعانة في بعض الحالات بوسطاء وشبكات إجرامية . ويكشف ذلك عن نهج تجاوز العمل السياسي والاستخباري التقليدي إلى ملاحقة خصوم النظام خارج حدوده ، وهو مسار وسع دائرة الشك في أنشطة أجهزته وشبكاته الخارجية ، ودفع دولا عدة إلى تشديد إجراءاتها الأمنية تجاه ما تعتبره تهديدات إيرانية عابرة للحدود .

وهكذا تصبح خطورة المرحلة في تزامن مساراتها لا في أي مسار منفرد ؛ تفاوض لم يوقف استخدام القوة ، وضغط عسكري لم يغلق باب التفاوض ، ومخاطر أمنية باتت تفرض حماية أشد للمنشآت التي تسند العمليات بعيدا عن مسرحها المباشر .

وفي مثل هذه البيئة لا يحتاج التصعيد دائما إلى قرار سياسي كبير ؛ فقد يكفي حادث واحد ، أو قراءة خاطئة لنوايا الطرف الآخر ، ليفرض واقعا جديدا لم يكن أي منهما يريده عند بداية الأزمة .

لذلك لم يعد السؤال مقتصرا على متى تعود الضربات الأمريكية؟ بل أصبح أكثر خطورة :

إذا فشلت المفاوضات .. فأين تبدأ الجولة القادمة ، وأين تنتهي؟

كاتب رأي 

اللواء عبدالله بن سعيد الغامدي

أديب سعودي وكاتب رأي وملحق عسكري سابق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.