كُتاب الرأي

سيهزم الجمع .. ويولون الدبر

سيهزم الجمع .. ويولون الدبر 

رؤية تحليلية عسكرية .

الإثنين الموافق ( 21 ) سبتمبر ( 2026 )م .

كتبه؛ اللواء البحري الركن المتقاعد / عبدالله بن سعيد الغامدي دبلوماسي سابق وخبير في الدراسات الاستراتيجية .

( في فن العمليات لا تقاس القوة بمقدار ما تحتله من أرض، بل بقدرتها على المحافظة على المبادأة، وإدامة زخمها العملياتي، وحماية عناصر قوتها الحاسمة، ومنع الخصم من فرض إيقاع المعركة عليها . )

المقدمة .

تقرأ المعركة عسكريا من خلال القدرات القتالية النسبية، ومراكز الثقل، والقيادة والسيطرة، وحرية المناورة، والاحتياط، وخطوط المواصلات والإمداد؛ لا بمساحة الأرض وحدها. فالتمدد إذا تجاوز القدرة على الإدامة قد يتحول من مكسب تكتيكي إلى عبء عملياتي يستنزف القوة.

1. طبيعة الخصم والمناورة .

تتطلب مواجهة عصابة الحوثي الإرهابية المسلحة فهم طبيعة الخصم غير النظامي الذي يعتمد على الانتشار والاختفاء والمفاجأة واستغلال التضاريس، ومنعه من فرض نمط القتال الذي يناسبه.

والمناورة ليست حركة تشكيلات فحسب، وإنما توظيف القوة والأرض والوقت والمعلومة لتحقيق التفوق في النقطة الحاسمة. وتستند المناورة إلى أشكالها وأساليبها العملياتية المختلفة، بما فيها الالتفاف والتطويق والاختراق والتسلل، بالتكامل مع التثبيت والخداع والعزل وتعدد محاور الضغط؛ بما يحد من حرية عمل الخصم ويتيح للقائد الاحتفاظ بالمبادأة وحرية المناورة.

2. الجهد الرئيسي والاحتياط العملياتي .

تعدد المحاور من دون وحدة قيادة قد يتحول إلى تشتيت للقوة. ولذلك يجب أن يكون الجهد الرئيسي واضحا، وأن تعمل الجهود المساندة لخدمته ضمن غاية عملياتية واحدة.

أما الاحتياط العملياتي فليس قوة فائضة، وإنما أداة القائد لاستعادة حرية العمل، وتعزيز النجاح والتعامل مع تغيرات الموقف. واستنزافه مبكرا قد يحرم القيادة من إحدى أهم أدوات التأثير في اللحظة الحاسمة.

3. حماية القوة والإدامة .

كل تقدم يطيل خطوط المواصلات ويرفع متطلبات الإدامة اللوجستية وحماية الأجنحة والمؤخرة. وقد يتحول الانتشار الواسع إلى نقطة ضعف عندما تصبح متطلبات المحافظة عليه أكبر من قدرة القوة على إدامته.

فحماية القوة ليست إجراء دفاعيا منفصلا؛ بل شرط لاستمرار القدرة القتالية .

4. الاستطلاع والوعي بالموقف .

يمثل الاستطلاع والمراقبة وبناء الصورة العملياتية المشتركة أساسا لاتخاذ القرار. وتساعد الوسائط الجوية والمسيرات ووسائل الاستطلاع الحديثة في تحسين الوعي بالموقف ضمن منظومة قيادة وسيطرة منضبطة، ووفق قواعد الاشتباك والقانون الدولي الإنساني.

5. أمن العمليات .

أمن العمليات يسبق المعركة، ويرافقها، ويستمر بعدها .

فكشف المواقع أو التحركات أو الاستعدادات أو التوقيتات أو القدرات قد يمنح الخصم ما يحتاجه لاستنتاج النوايا، ويؤدي إلى فقدان عنصر المفاجأة وتقليص حرية العمل.

ليس كل ما يعرف يقال، وليس كل ما يرى يصور، وليس كل ما يحدث في الميدان ينشر .

6. العمليات المعلوماتية والانضباط المعلوماتي .

قد تكون الشائعة جزءا من جهد معلوماتي ونفسي معاد يستهدف الروح المعنوية والثقة بالقيادة وتماسك الجبهة. ولذلك فإن الانضباط المعلوماتي جزء من الانضباط العملياتي، ولا ينبغي لخبر عسكري غير موثق أن يتحول بالتداول إلى أداة مجانية بيد الخصم.

فلا تمنحوا الشائعة أجنحة .

7. استدامة الضغط العملياتي .

استدامة الضغط العملياتي لا تعني استنزاف القوات في اندفاعات متعاقبة، وإنما إبقاء الخصم تحت ضغط يمنعه من استعادة التوازن وحرية العمل، مع صيانة القدرة القتالية والإدامة.

فليس المطلوب كثرة الحركة، وإنما استمرار التأثير العملياتي والمحافظة على المبادأة .

8. وحدة القيادة والسيطرة .

وحدة القيادة عنصر حاسم في تماسك القوة وفاعلية القيادة والسيطرة .

فتكامل الاستخبارات والعمليات والإسناد، ووضوح العلاقة بين الجهد الرئيسي والجهود المساندة، يحول الإمكانات المتاحة إلى تأثير عملياتي. وتعدد التشكيلات لا ينبغي أن يعني تعدد الغايات؛ لأن وحدة الهدف والقيادة والجهد أساس حشد القوة في الاتجاه الحاسم .

9. الأرض والقدرة على الاستمرار .

اليمن ليس أرضا بلا أصحاب . ومعرفة القوات المسلحة اليمنية بالأرض ومسرح العمليات تتضاعف قيمتها عندما تقترن بالانضباط ووحدة الجهد وحسن تقدير الموقف.

كما أن الدعم الإيراني للحوثيين لا يغير قاعدة عسكرية أساسية: كل منظومة قتالية تعتمد على القيادة والسيطرة، والإمداد، والاتصالات، والروح المعنوية، والقدرة على تعويض الاستنزاف .

ومن ثم فالمعركة ليست صراعا على الأرض وحدها؛ بل صراع على المبادأة، وحرية العمل، ومراكز الثقل، والمعلومة، والقدرة القتالية والإرادة .

الخاتمة .

الميدان لا يحسمه التفوق العددي أو اتساع الانتشار وحدهما، وإنما تحسمه القدرة على حسن تقدير الموقف، والمحافظة على المبادأة، وحماية المعلومات، وصيانة الاحتياط العملياتي، وتوحيد القيادة والجهد، وإدامة القدرة القتالية حتى بلوغ الغاية العملياتية .

في الحرب قد يكون الصمت أمنا، والمعلومة قوة، والاحتياط ضمانا، والمناورة مبادأة، ووحدة القيادة طريقا إلى حشد الجهد في موضعه الصحيح .

ثم يبقى فوق الحسابات العسكرية كلها وعد الله الحق .

قال الله تعالى في محكم التنزيل الكريم:

﴿ سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ ﴾.

سورة القمر / الآية الكريمة رقم ( 45 ) .

كاتب رأي 

اللواء عبدالله بن سعيد الغامدي

أديب سعودي وكاتب رأي وملحق عسكري سابق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.