كُتاب الرأينحن طويق

الوطن.. شجرةٌ أصلها في القلوب وفروعها في السماء

الوطن.. شجرةٌ أصلها في القلوب وفروعها في السماء

الوطن شجرةٌ أصلها في القلوب وفروعها في السماء؛ جذورها من الحب والانتماء، وجذعها من التاريخ والهوية، وأغصانها من العزّة والكرامة، وثمرها أمنٌ وأمانٌ ومستقبلٌ يليق بالأجيال.

تبدأ حكاية الوطن في القلب قبل أن تبدأ على الأرض؛ هناك، حيث تتشكّل أولى صور الانتماء، وتُغرس بذرة الوفاء، وتنمو مشاعر الاعتزاز في وجدان الإنسان، فالوطن الذي يسكن القلوب لا تغرّب أبناءه المسافات، ولا تنال من محبته تقلبات الأيام، ولا تُضعف جذوره رياح المحن؛ لأن ما كان أصله في الروح لا تقتلعُه يد، ولا تمحوه المسافات.

وإذا كانت جذور الشجرة تمتد في أعماق الأرض لتمنحها الثبات، فإن جذور الوطن تمتد في أعماق الوعي والوجدان، تتغذّى من ذاكرة الأجداد، وتضحيات الآباء، ومنجزات الأبناء، وكل جيلٍ يتسلّم هذه الأمانة ليضيف إلى تاريخ وطنه صفحةً من العمل، ولبنةً في البناء، وموقفاً من الوفاء. فالأوطان لا تُصان بالشعارات وحدها، بل تصونها سواعد أبنائها، وتحرسها يقظتهم، وترفع شأنها علومهم وأخلاقهم وإخلاصهم.

أما فروع هذه الشجرة، فتمتد نحو السماء؛ لا تعرف حدوداً للطموح، ولا ترضى إلا بقمم المجد. وكلما تعمّقت الجذور في الأرض، ازدادت الفروع ارتفاعاً في السماء؛ وكأن في ذلك سرّاً من أسرار الأوطان العظيمة: أن الاعتزاز بالماضي امتدادٌ للحاضر وجسرٌ للعبور إلى المستقبل، وأن الوفاء للجذور هو الذي يمنح الأجنحة القدرة على التحليق.

وفي وطننا المملكة العربية السعودية تتجلّى هذه الصورة في أبهى معانيها؛ وطنٌ تجذّرت محبته في وجدان أبنائه، واستمدّ عزيمته من تاريخه وقيمه وثوابته، ومضى بقيادته وشعبه نحو آفاقٍ أرحب من التنمية والطموح، وطنٌ لا يقف عند حدود ما أنجز، بل يتطلع إلى ما هو أعظم، مستنداً إلى وحدة شعبه، وتلاحم قيادته، وإيمان أبنائه بأن رفعة الوطن مسؤولية مشتركة، وأن أمنه واستقراره ومكانته خطوطٌ لا تقبل المساومة.

إن الشجرة الوارفة لا تكتمل بجمال أغصانها ما لم تكن جذورها راسخة، وكذلك الوطن؛ لا تكفيه مظاهر التقدم إن لم يسندها وعيٌ بالهوية، وصدقٌ في الانتماء، وإخلاصٌ في العطاء، فحب الوطن ليس قصيدةً تُقال فحسب، ولا نشيداً يُردّد، بل سلوكٌ يُترجم، ومسؤوليةٌ تُحمل، وعهدٌ يتجدّد في المواقف قبل الكلمات.

وهكذا يظل الوطن شجرةً لا تشيخ في القلوب، ولا تنحني أمام العواصف، تمتد جذورها في أعماق الانتماء، وتسمو فروعها إلى مدارات المجد؛ كلما أزهرت في القلوب وفاءً، أثمرت في الأرض إنجازاً، وكلما تعانقت أغصان أبنائها، اشتدّ عودها وازدادت رفعةً وبهاءً.

فالوطن لا يسكن الأرض وحدها؛ بل يسكن وجداننا، وحين يكون أصل الوطن في القلوب، فلا سقف لطموحه إلا السماء.

د. دخيل الله عيضه الحارثي

 

#نحن_طويق

 

 

 

الدكتور دخيل الله عيضه الحارثي

أديب وشاعر سعودي ومشرف ومحرر زاوية (ومضة)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.