كُتاب الرأي

Elicitation .. الاستدراج المعلوماتي .♦️

Elicitation .. الاستدراج المعلوماتي .♦️

احذر شِباكه عبر الإنترنت .

رؤية أمنية استراتيجية .

الجمعة الموافق 25 سبتمبر 2026 م .

كتبه؛ اللواء البحري الركن المتقاعد / عبدالله بن سعيد الغامدي دبلوماسي سابق وخبير في الدراسات الاستراتيجية .

في عالم الاستخبارات، أخطر المعلومات ليست دائمًا تلك التي تُسرق منك، بل تلك التي تقدمها بنفسك وأنت تظن أنك تخوض حديثًا عابرًا .

لم تعد عمليات جمع المعلومات تحتاج دائمًا إلى عميل يتسلل إلى منشأة محصنة، أو جهاز تنصت، أو وثيقة تُسرق من خزينة مغلقة؛ فقد أصبح الفضاء الرقمي ميدانًا واسعًا لجمع المعلومات واستدراج أصحابها، وأصبح الإنسان نفسه أحد أهم منافذ الوصول إلى المعلومة.

ومن الأساليب المعروفة في العمل الاستخباري ما يسمى Elicitation، أو الاستدراج المعلوماتي، وهو توظيف الحديث بصورة مدروسة للحصول على معلومات من شخص دون أن يشعر بالضرورة بأنه موضع استجواب. وقد يبدأ بتعليق عابر، أو رسالة خاصة، أو نقاش مهني، أو طلب رأي، أو إعجاب بخبرة الشخص، ثم تنتقل المحادثة تدريجيًا نحو المعلومات المطلوبة.

ولا يقتصر الاستهداف على العسكري أو رجل الأمن؛ فقد يكون المستهدف دبلوماسيًا، أو مهندسًا، أو باحثًا، أو موظفًا حكوميًا، أو متقاعدًا يمتلك خبرة تراكمية، أو حتى شخصًا قريبًا ممن يمتلك المعلومة. فالقيمة الاستخبارية للإنسان لا ترتبط بمنصبه وحده، وإنما بما يعرفه، ومن يعرفهم، وما يستطيع الوصول إليه.

وتكشف بعض تجارب التحذيرات الرسمية الدولية لأجهزة مكافحة التجسس الخاصة بها ….، أن جهات إستخبارية أجنبية قد تستغل منصات التوظيف والشبكات المهنية، فتظهر أحيانًا في صورة مسؤول توظيف، أو شركة استشارات، أو جهة بحثية، وتعرض وظيفة أو استشارة مدفوعة الأجر على صاحب خبرة. وتبدأ الأسئلة بالسيرة المهنية والخبرات العامة، ثم تتحرك تدريجيًا نحو طبيعة العمل والأشخاص والقدرات والمشروعات والمعلومات غير المنشورة.

ومن الحيل الخبيثة المعروفة أيضًا أن يقدم المستدرِج معلومة خاطئة عمدًا منتظرًا أن يبادر الخبير إلى تصحيحها، أو يطرح رقمًا غير دقيق حتى يكشف الطرف الآخر الرقم الأقرب إلى الحقيقة، أو يستخدم المديح لإثارة الاعتزاز بالخبرة ودفع المستهدف إلى مزيد من الشرح. وقد يأتي الاستدراج كذلك تحت ستار استبيان أكاديمي، أو مقابلة بحثية، أو مؤتمر، أو طلب رأي خبير، أو علاقة اجتماعية رقمية.

وتكمن براعة هذه الأساليب في أن المستدرِج لا يطلب السر كاملًا. فقد يبحث عن جزء صغير من الصورة، ثم يعود لاحقًا بجزء آخر، أو يحصل عليه من شخص آخر.

وهنا يظهر مفهوم التجميع الاستخباري Aggregation؛ فصورة من موقع عمل، واسم وحدة، وتوقيت اجتماع، ورحلة، وتخصص أحد الزملاء، وخلفية مكتب، وتعليق عن منظومة تقنية، وإشارة إلى حالة استعداد؛ قد تبدو منفردة معلومات عادية، لكنها عندما تُجمع وتُحلل وتُربط بالمصادر المفتوحة قد تتحول إلى منتج استخباري تتجاوز قيمته مجموع أجزائه.

وفي عصر الذكاء الاصطناعي تتضاعف الخطورة؛ فالخصم لا يحتاج دائمًا إلى سر كامل، بل قد تكفيه شظايا معلومات متناثرة، ثم تتولى أدوات التحليل جمعها وتصنيفها ومقارنتها وكشف العلاقات والأنماط بينها، حتى تتشكل أمامه صورة استخبارية لم يقدمها إليه شخص واحد، وإنما بُنيت من إفصاحات متفرقة لأشخاص متعددين.

والأخطر أن المتقاعد وصاحب الخبرة السابقة قد يعتقد أن معلوماته فقدت قيمتها بانتهاء مهمته، بينما قد تبقى معرفته بالهياكل والإجراءات والأشخاص وأساليب العمل ذات قيمة لمن يحاول فهم مؤسسة أو بيئة معينة.

لذلك فإن أمن المعلومات لا يعني فقط عدم نشر الوثائق المصنفة؛ وإنما يشمل حماية ما يمكن استنتاجه من المعلومات العادية عند ضم بعضها إلى بعض. وحتى النفي قد يحمل معلومة؛ فعندما يقول لك مجهول: «سمعت أن منظومتكم لا تستطيع فعل كذا»، فقد يكون هدفه الحقيقي معرفة هل هذا صحيح أم لا.

وقبل أن تجيب عن سؤال غير معتاد، أو تدخل في نقاش مهني مع مجهول، اسأل نفسك: لماذا يريد هذه المعلومة؟ ولماذا يسألني أنا؟ من يكون فعلًا؟ وما غايته من السؤال؟ وماذا يستطيع أن يستنتج من إجابتي إذا جمعها بما يعرفه مسبقًا؟

فالوعي الأمني لا يعني الشك في الجميع؛ وإنما يعني معرفة متى يتحول الفضول إلى جمع معلومات، ومتى تتحول المجاملة إلى بناء ثقة، ومتى تتحول المحادثة العابرة إلى استدراج.

فقد يبدأ الاستدراج برسالة إعجاب، أو فرصة عمل، أو سؤال بريء… وينتهي بصورة استخبارية لم يدرك صاحبها أنه ساهم بنفسه في استكمالها.

لا تثق بمن تعرفه أو لا تعرفه ؛ فقد تأتي الخديعة في ثياب المعرفة أو الصداقة .

كاتب رأي 

اللواء عبدالله بن سعيد الغامدي

أديب سعودي وكاتب رأي وملحق عسكري سابق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.