باب المندب

باب المندب
المعركة التي لا تحتمل الخسارة
رؤية تحليلية .
الخميس الموافق ( 24 ) سبتمبر ( 2026 )م .
كتبه؛ اللواء البحري الركن المتقاعد / عبدالله بن سعيد الغامدي دبلوماسي سابق وخبير في الدراسات الاستراتيجية .
( في فن العمليات، ليست كل أرض متساوية في قيمتها؛ فهناك أرض إذا فقدتها القوات خسرت موقعا، وهناك أرض إذا فقدتها اختل ميزان المعركة كله . )
1 ـ الموقف العملياتي .
تتجاوز معركة باب المندب حدود المواجهة على الساحل الغربي؛ فهي معركة على الأرض الحاكمة وخطوط الإمداد وحرية المناورة والمبادأة. وما يجري في كهبوب والوازعية وجنوب وغرب تعز يؤكد أن المعركة لا تقاس بمساحة الأرض وحدها، وإنما بمن يمتلك القدرة على حماية مواقعه وتأمين ظهر قواته ومنع خصمه من تثبيت مكاسبه.
تمكنت عصابة الحوثي الإرهابية المسلحة خلال المرحلة السابقة من تحقيق تمدد ميداني خطير على أجزاء من الساحل الغربي، غير أن هذا التمدد لم يتحول حتى الآن إلى سيطرة مستقرة ومحصنة. فالاحتفاظ بالساحل يحتاج إلى عمق دفاعي، وطرق إمداد آمنة، وأرض ( حاكمة ) تحمي القوات المنتشرة وتمنحها القدرة على الرصد والمناورة، وتوفر للقائد حرية استخدام الاحتياط في الوقت والمكان المناسبين.
وتكشف تطورات الأيام الأخيرة تحولا مهما في الميدان؛ فقد أحكمت القوات المسلحة اليمنية الباسلة سيطرتها على جبل قرفان الاستراتيجي جنوبي تعز، وتزامن ذلك مع تقارير عن استمرار الضغط على امتداد السلسلة الجبلية والمحاور المتصلة بلحج وباب المندب.
وفي تطور ميداني لافت، أحبطت القوات المسلحة محاولات تسلل عصابة حوثية إرهابية باتجاه وادي المقاطرة وهيجة العبد وجبهة حيفان، وأعلنت تأمين الطريق الحيوي الرابط بين عدن ـ لحج ـ تعز وانتشار قواتها في كامل جبهة حيفان.
وهذه التطورات تمثل مؤشرات متقدمة على استعادة المبادأة، لكنها لا تعني حتى الآن أن المبادأة تحولت إلى هجوم عملياتي شامل نحو ( ذباب ـ المخا ـ ميون ).
2 ـ الأرض ( الحاكمة )وخطوط الإمداد .
تبرز كهبوب والوازعية وجبل قرفان ومرتفعات جنوب وغرب تعز باعتبارها حزاما عملياتيا بالغ الأهمية؛ فمن يسيطر على الأرض الحاكمة يكتسب ميزة الرصد والسيطرة بالنيران وحماية طرق الحركة، ويجعل انتشار خصمه أكثر عرضة للضغط والاستنزاف.
ويكتسب تأمين طريق عدن ـ لحج ـ تعز أهمية عملياتية تتجاوز مجرد حماية طريق للمواصلات؛ فهو يحافظ على حرية الحركة بين العمق والجبهات، ويدعم استمرار الإمداد وانتقال القوات والاحتياط، ويحرم الحوثيين من فرصة تهديد أحد الشرايين الحيوية المؤثرة في استمرار العمليات.
ولهذا فإن حماية طرق الإمداد وقطع شرايين إمداد الخصم تمثلان وجهين لمعركة واحدة؛ فالقوة التي تحافظ على حرية حركتها وتحرم خصمها منها تقترب أكثر من امتلاك المبادأة.
3 ـ مفاتيح السيطرة العملياتية .
لا ينفصل باب المندب عن الأرض المحيطة به؛ فالمضيق لا تحميه المياه وحدها، وإنما تحميه المرتفعات والطرق والمحاور التي تتحكم في الاقتراب منه وتؤمن حركة القوات وإمدادها.
وعليه، فإن الأرض الحاكمة وخطوط الإمداد المتصلة بمحور باب المندب تمثل عناصر حاسمة في ميزان العمليات خلال هذه المرحلة؛ فمن ينجح في الإمساك بهذه المنظومة يستطيع حماية قواته، وتقييد حركة خصمه، وتهيئة الظروف للمناورة نحو الساحل.
ومن هذه الزاوية، فإن السيطرة على جبل قرفان وتأمين وادي المقاطرة وهيجة العبد وطريق عدن ـ لحج ـ تعز ليست أحداثا منفصلة؛ بل حلقات في صراع أوسع على الأرض الحاكمة وحرية الحركة والعمق الذي تستند إليه الجبهات.
4 ـ تقدير الموقف .
تشير مجمل المؤشرات الحالية إلى أن التمدد الحوثي لم يتحول بعد إلى استقرار عملياتي كامل. فالصمود في كهبوب، والقتال في الوازعية، والسيطرة على جبل قرفان، وإفشال محاولات التسلل إلى حيفان والمقاطرة، وتأمين طريق عدن ـ لحج ـ تعز؛ كلها تطورات تزيد الضغط على قدرة ميليشيا الحوثيين على تثبيت مكاسبهم وتوسيعها.
كما أن انتقال القوات الحكومية من مجرد صد الهجمات إلى استعادة أرض حاكمة، وتأمين خطوط الحركة، وملاحقة محاولات التسلل، والضغط على تجمعات الخصم يعطي مؤشرا أقوى على أن المبادأة بدأت تنتقل تدريجيا في بعض المحاور.
لكن المعركة لم تبلغ بعد مرحلتها الحاسمة .
فالمرحلة الفاصلة ستبدأ عندما تتحول هذه النجاحات الموضعية إلى مناورة عملياتية مترابطة: تثبيت الخصم على بعض المحاور، والضغط عليه في محاور أخرى، وتأمين طرق الإمداد، وقطع شرايين إمداده، ثم دفع الجهد الرئيسي في الاتجاه الذي يعزل قواته الساحلية ويجردها من العمق الذي يحميها.
عندها يمكن الانتقال في التقدير من استنزاف التمدد الحوثي إلى تفكيكه واستعادة المبادأة على نطاق أوسع.
5 ـ القوات المسلحة اليمنية واستعادة المبادأة .
ما أظهرته القوات المسلحة اليمنية الباسلة خلال الأيام الأخيرة من صمود وقتال واستعادة لأرض حاكمة وتأمين لطرق حيوية، وما يساندها من ثبات أبناء اليمن وقبائله الأصيلة، يؤكد أن الميدان لم يقل كلمته الأخيرة، وأن خسارة موقع أو جولة لا تعني خسارة الحرب.
فاليمن يملك رجالا يعرفون أرضه وجباله وأوديته، وشعبا عريقا وقبائل أصيلة كانت عبر التاريخ سندا لأرضها وأمنها، وقوات شرعية قادرة ـ متى تكاملت القيادة والجهود، وحفظ أمن العمليات، واتسع نطاق استعادة المبادأة ـ على تحويل امتداد الخصم إلى عبء عليه، واستنزاف قدرته، وقطع خطوط إمداده، ثم استعادة ما فقدته الدولة من أرض.
وما يجري من كهبوب والوازعية إلى جبل قرفان وحيفان والمقاطرة يحمل دلالة معنوية وعملياتية مهمة؛ فالقوات التي تصمد أمام الهجوم، ثم تستعيد الأرض الحاكمة، ثم تحمي خطوط حركتها وتمنع خصمها من اختراقها، هي قوة تهيئ الظروف لاستعادة المبادأة وتوسيع نطاقها ميدانيا.
وبعد التوكل على الله والأخذ بأسباب النصر، يبقى عماد الميدان الجندي اليمني الباسل، والقيادة الميدانية الواعية، ويسندهما الشعب اليمني الشقيق وقبائله الأصيلة؛ فهم أصحاب الأرض، والأعرف بتضاريسها ومسالكها، وهم عدة الوطن وسنده في استعادة دولته وأمنه واستقراره .
الخلاصة .
باب المندب معركة أرض بقدر ما هو معركة بحر؛ فمن يملك الأرض الحاكمة حوله ، ويؤمن خطوط إمداده، ويحافظ على حرية المناورة والمبادأة، يملك مفاتيح التأثير في مسار المعركة .
والمعركة لم تحسم بعد .
لكن التطورات الأخيرة أظهرت أن استعادة المبادأة تبدأ من تثبيت الأرض الحاكمة، وحماية شرايين الحركة، والمحافظة على حرية المناورة. وتبقى وحدة القيادة ، وأمن العمليات، واستمرار الضغط، ثم الانتقال في التوقيت المناسب من الدفاع إلى الهجوم؛ عوامل حاسمة في تحديد ما إذا كان التمدد الحوثي سيترسخ على الساحل، أم يتحول إلى امتداد مكشوف يمكن عزله واستنزافه ثم تفكيكه.
( الممرات الاستراتيجية لا يحميها البحر وحده ؛ بل تحميها الأرض الحاكمة ، ويحميها قبل ذلك رجال يعرفون قيمة الأرض التي يقاتلون من أجلها . )
حفظ الله اليمن وشعبه الشقيق، ونصر قواته المسلحة الشرعية الباسلة، وسدد رجالها في الميدان، وأعان أبناء اليمن وقبائله الأصيلة على استعادة دولتهم وأمنهم واستقرارهم، ورد عنهم كيد المعتدين
كاتب رأي


