على الحوثة تدور الدوائر .

على الحوثة تدور الدوائر .
رؤية تحليلية عسكرية .
السبت الموافق ( 26 ) سبتمبر ( 2026 )م .
كتبه؛ اللواء البحري الركن المتقاعد / عبدالله بن سعيد الغامدي دبلوماسي سابق وخبير في الدراسات الاستراتيجية .
( في فن العمليات، تبدأ الدائرة بالانغلاق على الخصم عندما يفقد المبادأة، ويتحول من فرض إرادته إلى استهلاك قوته في مواجهة الضغوط المتعددة . )
المشهد اليمني اليوم لا يحتاج إلى قراءة الأحداث منفردة، بل إلى جمعها في صورة موقف واحدة. فتطور الميدان، ودعوة القيادة اليمنية إلى التعبئة العامة والنفير والالتفاف حول القوات المسلحة، واجتماع القيادات العسكرية العليا للمملكة العربية السعودية وباكستان وتركيا في الرياض، والحراك الدولي المتصل بأمن المنطقة والطاقة والممرات البحرية؛ كلها مؤشرات ينبغي قراءتها مجتمعة، دون تحميل أي منها ما لم يعلن رسميا.
ومن هنا تبدو ثلاث دوائر متداخلة، متفاوتة في مباشرتها وتأثيرها، لكنها تجتمع في تشكيل بيئة استراتيجية أكثر تعقيدا حول عصابة الحوثيين، وشبكات الدعم والإسناد الإرهابية المرتبطة بإيران في الإقليم.
الدائرة الأولى: الميدان والمبادأة.
لا تقاس أهمية النجاحات التكتيكية للقوات اليمنية بعدد المواقع وحده، وإنما بقدرتها على تحويلها إلى مبادأة عملياتية مستدامة. وكلما اضطر الحوثيون إلى تحريك احتياطهم بين الجبهات، وتعزيز محور على حساب آخر، ازدادت أعباء الانتشار، وارتفعت كلفة حماية خطوط الإمداد والأجنحة والقيادة والسيطرة.
والتمدد العملياتي إذا تجاوز القدرة على التثبيت والحماية يتحول من مكسب إلى عبء.
وهنا تبرز وحدة القيادة ووحدة الجهد بوصفهما من أهم عناصر القوة في إدارة المعركة. فالقوات البرية والجوية والبحرية، والأجهزة الأمنية، والتشكيلات العسكرية والمقاومة والقبائل، تصبح أكثر تأثيرا عندما تعمل ضمن تصور متكامل يحافظ على المبادأة ويمنع الخصم من استعادة توازنه.
ومن هذا المنظور تكتسب دعوة القيادة اليمنية إلى التعبئة العامة والنفير الوطني معناها العسكري؛ فالتعبئة الناجحة ليست زيادة عددية فحسب، بل تنظيم للطاقات وربطها بالقيادة والجهد الرئيسي والاحتياط ومتطلبات المعركة.
الدائرة الثانية: الردع الإقليمي.
وجاء اجتماع الرياض العسكري الثلاثي ليضيف بعدا استراتيجيا مهما. فالبيان المعلن تناول التعاون الاستخباراتي، والتنسيق العسكري، وتكامل القدرات، وتعزيز الردع والدفاع الجماعي، مع العزم على البدء الفوري في ترجمة التزامات اتفاقية مكة للدفاع المشترك إلى تعاون عسكري فعال.
والاستنتاج العسكري هنا بالغ الدلالة: عندما تنتقل الشراكة الدفاعية من النص السياسي إلى التعاون الاستخباراتي والتنسيق العسكري وتكامل القدرات، فإننا أمام مسار نحو بناء قدرة ردع جماعية أكثر تنظيما، وهو مسار من شأنه ـ متى ترجم إلى ترتيبات تنفيذية فاعلة ـ أن يعزز الردع، ويرفع كلفة الاعتداء، ويوسع الحسابات الاستراتيجية المحيطة بالتهديد الحوثي.
الدائرة الثالثة: البيئة الدولية.
إن حضور الشرق الأوسط في مباحثات الرئيسين الأمريكي والصيني في واشنطن يؤكد أن أمن المنطقة والطاقة والممرات البحرية أصبح جزءا من حسابات القوى الكبرى، دون أن يعني ذلك وجود اتفاق معلن بينهما بشأن الحوثيين.
وهكذا تتداخل الدوائر الثلاث دون أن تتساوى في أثرها: ضغط ميداني مباشر داخل اليمن، وردع إقليمي يتبلور، وبيئة دولية أوسع تزداد حساسية تجاه أمن المنطقة وممراتها البحرية. وأي تراجع مستدام في قدرة الحوثيين على المبادأة والمناورة يمكن أن يعني في بعده الاستراتيجي إضعاف إحدى أهم أدوات النفوذ الإيراني المسلح في جنوب الجزيرة العربية والبحر الأحمر.
وأخطر ما قد يواجه الحوثيين ليس خسارة موقع بعينه، وإنما فقدان المبادأة وحرية المناورة، واستنزاف الاحتياط، واضطراب الإمداد، واتساع الضغوط من الميدان إلى المحيط الإقليمي.
فإذا استمرت هذه العوامل وتراكم أثرها، فإنها تهيئ لتحول في ميزان العمليات، وتفتح ـ بإذن الله تعالى ـ أبواب الأمل أمام الشعب اليمني الشقيق في استعادة الأمن والاستقرار وإنهاء سنوات القتل والتشريد والحرب.
( وحين يفقد الخصم حرية الاختيار، ويصبح مضطرا إلى القتال حيث يفرض عليه الميدان، تكون الدائرة قد بدأت تكتمل . )
وعلى الحوثي الباغي تدور الدوائر …
