ويشف صدور قوم مؤمنين ..

ويشف صدور قوم مؤمنين ..
رؤية تحليلية عسكرية .
الأحد الموافق ( 27 ) سبتمبر ( 2026 )م .
كتبه؛ اللواء البحري الركن المتقاعد / عبدالله بن سعيد الغامدي دبلوماسي سابق وخبير في الدراسات الاستراتيجية .
( في فن العمليات ، لا يبدأ التحول الحقيقي عندما تزداد النيران فقط ، بل عندما تنتقل القوة من ملاحقة حركة خصمها إلى فرض إجراءات المعركة المتخذة عليه . )
ما يجري اليوم في اليمن يستحق أن يقرأ أبعد من عدد الغارات والاشتباكات وأسماء المواقع والتباب والجبال . فالقيمة العسكرية لأي نشاط قتالي لا تكمن في كثافته وحدها ، وإنما في الغاية التي يخدمها ، وفي أثره على حرية حركة الخصم ومبادأته وقدرته على مواصلة القتال .
فالقوات المسلحة اليمنية وسعت عملياتها على أكثر من جبهة ، مستخدمة القوات الجوية والطيران المسير والمدفعية والراجمات والقوات البرية ، فيما توزعت الأهداف المعلنة بين تجمعات وتعزيزات ومواقع عسكرية ومخازن أسلحة ومنصات إطلاق وآليات وطرق حركة لعصابة الحوثي الإرهابية المسلحة .
وتبقى الأرقام التفصيلية للعمليات والخسائر المعلنة بحاجة إلى تحقق مستقل ، لكن الدلالة العسكرية الأهم لا تكمن في الرقم وحده ، بل في اتساع مسرح العمليات وتعدد أدوات القوة المستخدمة فيه .
وهنا تبدأ القراءة العملياتية للمشهد .
ما يظهر في الميدان هو محاولة للانتقال من استيعاب ضغط الخصم إلى التأثير في قراره وحركته . فالطرف الذي يجبر خصمه على تغيير طرق إمداده وتشتيت تجمعاته وتحريك احتياطاته وإخفاء آلياته وإعادة حساب توقيت هجماته يكون قد بدأ ينازعه أهم عناصر الحرب : المبادأة .
وفي قلب هذه الصورة برز دور القوات الجوية اليمنية .
فالضربات المعلنة على الحوبان ومفرق ماوية ومفرق الذكرة وحيفان ومناطق أخرى لا ينبغي النظر إليها بوصفها غارات منفصلة ، وإنما باعتبارها محاولة لضرب دورة القتال الحوثية قبل وصولها إلى خطوط المواجهة .
فالرتل الذي يستهدف أثناء الحركة لا يصل بكامل قوته إلى الجبهة ، والتعزيز الذي يجبر على التشتت يفقد جزءا من سرعته وتأثيره ، ومخزن السلاح الذي يعطل تتأثر به القوة التي تنتظره في الأمام .
فالطيران لا ينتزع الجبل وحده ، ولكنه يستطيع أن يجعل الدفاع عنه أصعب . والقوة البرية لا تعمل بمعزل عن السماء ، وإنما تستثمر ما تصنعه النيران من إرباك وعزل واستنزاف .
وعندما تتكامل القوات الجوية والطيران المسير والمدفعية والراجمات مع القوات البرية ، فإن الهدف يصبح أكبر من تدمير آلية أو إصابة تجمع ؛ إذ ينتقل الضغط إلى منظومة الخصم نفسها : قيادته وسيطرته واحتياطه وإمداده وحرية مناورته .
وفي سلسلة جبال كهبوب ومحاور الوازعية والمضاربة ، وفي جبل حبشي والكدحة والأقروض وحذران وغيرها من جبهات تعز ، يظهر الوجه الآخر للمعركة : الصراع على الأرض الحاكمة .
فالجبال والتباب لا تكتسب أهميتها من ارتفاعها وحده ، وإنما مما تمنحه من ملاحظة وسيطرة بالنيران وحماية للمحاور وتأثير في طرق الحركة والإمداد . ولذلك فالمعركة ليست فقط على من يصل إلى القمة ، بل على من يستطيع البقاء عليها وتأمينها وإدامة قواته ومنع خصمه من استخدامها ضده .
ويضع اتساع العمليات الحوثيين الإرهابيين أمام معضلة عسكرية مهمة : أين يدفعون بالاحتياط ؟ وأي محور يعززون ؟ وأي أرض يدافعون عنها أولا ؟
فكل جبهة تحتاج مقاتلين وذخيرة وإمدادا واتصالات واحتياطا ، وكل طريق إمداد يحتاج حماية ، وكل موقع جديد تتمسك به القوة يضيف عليها التزاما آخر . وهنا قد يتحول الاتساع الجغرافي من مكسب إلى عبء إذا عجزت القوة عن حماية أطراف انتشارها وإمدادها والمحافظة على احتياطها .
وفي المقابل ، فإن الاختبار أمام القيادة الشرعية والقوات المسلحة اليمنية واضح .
ففتح عدة محاور لا يكفي وحده . المطلوب أن تظل الجهود مرتبطة بغاية عملياتية واحدة ، وأن يبقى الجهد الرئيسي واضحا ، وأن تخدمه الجهود المساندة ، وألا يستهلك الاحتياط قبل أوانه ، وأن تعمل المعلومات والاستطلاع والقوة الجوية والمسيرات والمدفعية والقوات البرية ضمن منظومة قيادة وسيطرة واحدة .
وهنا يظهر الفارق بين كثرة العمليات وصناعة الحملة العسكرية .
والقيادة التي تستطيع جمع هذه الأدوات داخل تصور واحد تكون قد قطعت خطوة مهمة في الانتقال من رد الفعل إلى صناعة الفعل .
ولا ينبغي أن تحجب المؤشرات الإيجابية صعوبة الميدان . فعصابة الحوثي الإرهابية المسلحة ما زالت تمتلك قدرات عسكرية وصاروخية ومسيرة ومواقع مهمة ، كما أن القتال في التضاريس الجبلية والمناطق المأهولة يفرض تحديات كبيرة ، وتظل حماية المدنيين والتمييز بين الأهداف العسكرية والمدنية التزاما أساسيا .
ولهذا فإن الحديث عن حسم الحرب الآن سيكون سابقا لأوانه .
لكن هناك فرقا كبيرا بين القول إن الحرب حسمت وبين ملاحظة أن إيقاع الميدان بدأ يتغير .
فالقوات المسلحة اليمنية تظهر قدرة على القتال والمناورة وتوسيع نطاق الضغط ، وظهور القوة الجوية إلى جانب المسيرات والمدفعية والقوات البرية يحمل معنى مهما للمقاتل على الأرض : أنه لا يقاتل منفردا ، وأن خلفه منظومة نيران وقدرات تسانده عندما تعمل بصورة متكاملة .
والاختبار الآن هو الاستمرارية التي لا تنتهي إلا بالنصر التام المتكامل حتما و بدا .
فالضربة الناجحة ينبغي أن يتبعها استثمار ، والأرض التي تستعاد ينبغي تثبيتها ، والطريق الذي يقطع ينبغي إبقاؤه تحت الضغط ، والاحتياط الذي يعطل ينبغي ألا يمنح الوقت لإعادة تنظيم نفسه .
وإذا حافظت القيادة الشرعية وقواتها المسلحة على وحدة القرار والقيادة والسيطرة ، واستمر تكامل القوة الجوية والمسيرات والمدفعية مع القوات البرية ، فإن السؤال العسكري قد يتغير تدريجيا .
لن يكون فقط :
إلى أين يستطيع الحوثيون التقدم ؟
بل :
إلى أي مدى يستطيعون الاحتفاظ بما تقدموا إليه عندما تصبح تجمعاتهم وتعزيزاتهم وطرق إمدادهم تحت الضغط من الجو والأرض ؟
ذلك هو ميزان المبادأة الحقيقي .
فالميدان اليمني اليوم لا يقول إن الحرب انتهت ، ولا إن المعركة حسمت ، لكنه يقول شيئا يستحق أن يسمع : إن القوات المسلحة اليمنية ما زالت قادرة على القتال والمناورة ، وإن امتلاك الخصم للأرض لا يعني امتلاكه للمبادأة إلى الأبد .
فالجيش الذي يستعيد المبادأة يستعيد معها ثقته بالميدان ، والقوة التي تعرف غايتها وتوحد جهدها وتثبت على أرضها تستطيع أن تغير اتجاه المعركة مهما كانت صعوبة الطريق .
﴿ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ ﴾
وفي الحروب الطويلة ، لا يبدأ النصر دائما بسقوط آخر موقع للخصم ؛ بل قد يبدأ يوم يستعيد المقاتل ثقته بقوته ، وتستعيد القيادة زمام المبادأة ، ويبدأ العدو للمرة الأولى بالنظر خلفه .
