مابين البشم واليشم والبشام

مابين البشم واليشم والبشام
مشعل الحارثي
تتميز لغتنا العربية بثراء هائل وعميق في مفرداتها وألفاظها، والتشابه الكبير في بعض كلماتها ،وتعدد الأسماء للشيىء الواحد ، وهي تستمد كل هذا الثراء من نظامها العشري والجذري الفريد وقدرتها الواسعة على الاشتقاق ، كما أن كثير من الكلمات والالفاظ العامية والمسيطرة على كلامنا دائماً ماتكون كلمات فصيحة ولكن ربما لانعطي لها بالا واهتماما ، ولكي نعطي الدلالة على ذلك سوف نستعرض الفرق بين مفردات (البشم) و(اليشم) و(البشام) فالأولى تقال في باب الشبع والسأم من الطعام، فنقول انبشم فلان من الأكل، ونظنها عامية، ولكنها فصيحة ومتداولة كثيراً ، لأن البشم في “لسان العرب”: تُخَمَةٌ على الدَّسَم ، وربما بَشِمَ الفَصِيلُ من كثرة شُرب اللبن ، وقيل البَشَمُ التَّخَمة ، وقيل: هو أن يكثر من الطعام حتى يكربه. ويقال: بَشِمْت من الطعام ، بالكسر؛ ومنه قول الحسن وأنت تَتَجَشَّأُ من الشِّبَع بَشَماً، وأصله في البهائم، وقد بَشِم وأَبْشَمهِ الطَّعامُ؛ والبَشَمُ : التَّخَمة عن الدسم؛ ورجل بَشِم ، بالكسر. وبَشِمْت منه بشماً أي سئمت ، وقيل البَشَمِ مِنَ الطعام كالبَغَرِ مِنَ الشراب والماء.
أما المفردة الثانية (اليشم) والتي قد يجهلها الكثير ، فهو مصطلح عام يُطلق على نوعين مختلفين من الأحجار الكريمة الصلبة، وهما: “الجاديت” (Jadeite) وهو نوع نادر وأكثر شفافية وغلواً، ويتميز بلمعانه وبريقه القوي.
و”النفريت” (Nephrite) وهذا النوع الأكثر شيوعاً واستخداماً في المنحوتات التاريخية، ويتميز بصلابته ومتانته الشديدة.
ويُستخدم هذا الحجر بالصين منذ آلاف السنين في صناعة المجوهرات، والتحف، والأدوات، ويشتهر بلونه الأخضر المميز، إضافة إلى توفره بألوان أخرى مكالبيضاء والبنفسجية.
وتنعكس أهمية هذا الحجر الثقافية اعتباره في الصين رمزاً للنقاء والحكمة والحظ السعيد، ويُعرف بالحجر الإمبراطوري حيث قيل فيه “الذهب له قيمة، أما اليشم فلا يُقدر بثمن”. وفي حضارات أمريكا الوسطى: استخدمته شعوب المايا والأزتيك لصنع التمائم والحلي واعتقدوا بقدرته على العلاج.
والمفردة الثالثة (البشام): والجذر: بشم. والوزن: فَعَال و قال مَرَّةً : الْبَشَامُ :شَجَرٌ ذُو ساقٍ و أفْنانٍ وَ وَرَقٍ صِغَارٍ أكْبرُ من وَرَقِ الصَّعْتَرِ لا ثَمَرَ له،و إذا قُطِعَتْ وَرَقَتُهُ أو قُصِفَ غُصْنُه هُرِيقَ لَبَناً أَبْيضَ ،واحدته بَشَامَةٌ، وهي شجرة نادرة من الشجيرات العطرية الطبية، المهددة بالانقراض لقلة زراعتها والمعروفة بإسم البيلسان، وتتميز برائحتها الزكية وأغصانها التي تستخدم كمسواك طبيعي، وتنبت في جبال مكة المكرمة ومنطقة جبال السروات، ويصل ارتفاعها إلى حوالي ثلاثة أمتار وتعيش في الأودية والسفوح الجبلية، و يُستخرج من لحائها سائل راتينجي عطري نادر يُعرف بـ “بلسم مكة”. وللبشام العديد من الاستخدامات الشائعة فهو إضافة لاستخدامه كمسواك ينعش الفم ويقوي اللثة ، فقشور لحائه تستخدم كمشروب شاي لعلاج السعال والربو ومشاكل الجهاز التنفسي، كما تستخدم عصارته الراتنجية كمادة مطهرة ومضادة للبكتيريا، كما ان بعض المطاعم تسخدمها لإعطاء نكهة ولون للحوم .
وتتشابه هذه المفردات السابقة أيضا مع كلمات أخرى وتختلف عنها في المعنى والمدلول مثل كلمة الشِّبام: وهي خشبة تُعْرَض في فم (الجدي) وتشدّ في ققاه بخيط لئلاّ يرضع ، والشِّبامان: خيطان في البُرْقُع تشدّهما المرأة في قفاها.وشِبام: قبيلة من قبائل العرب ، وهي أيضًا مدينة في محافظة حضرموت، قريبة من مدينة سيئون. وتُعرف بلقب “مانهاتن الصحراء” لاحتوائها على أقدم ناطحات سحاب طينية في العالم.
وماعرضناه هنا من نماذج وكلمات إنما يؤكد بحق أن لغتنا العربية من أغنى لغات العالم وأكثرها عمقاً ومرونة، ليس فقط بكثرة مفرداتها وتعدد مرادفاتها، بل أيضا بقدرتها العالية على التعبير بدقة عن المعاني والأفكار والمشاعر والأحاسيس.
كاتب رأي


