كُتاب الرأي

نجاح المبتعثين مسؤولية مشتركة

نجاح المبتعثين مسؤولية مشتركة

وهدف استراتيجي للجامعات.

—————————————-

بقلم: البروفيسور فيصل عبدالقادر بغدادي أستاذ جامعي سابق ـ مستشار وباحث في التخطيط الاستراتيجي والقيادة.

—————————————
عندما قرأت طلب مجلس الشورى من إحدى الجامعات دراسة أسباب ارتفاع عدد العائدين من الابتعاث دون الحصول على مؤهل علمي تذكرت أيام الابتعاث في المملكة المتحدة وتحديداً في جامعة مانشستر، وكيف كنا نواجه في تلك الفترة بيئة ابتعاث مختلفة، وصدمة الغربة والانتقال إلى مجتمع وبيئة تعليمية جديدة.
كانت التجربة مختلفة عن اليوم بكل تفاصيلها فلم تكن وسائل التواصل الاجتماعي متاحة بالشكل الذي نعرفه الآن ولم يكن التواصل مع الأسرة والأصدقاء متيسراً في كل وقت. كان المبتعث يغادر وطنه إلى بلد جديد، ويتعامل مع لغة ونظام تعليمي وثقافة مختلفة وفي الوقت نفسه عليه أن يحقق النجاح الأكاديمي الذي ابتعث من أجله.
ومن هنا، فإن الحديث عن عودة بعض المبتعثين دون الحصول على مؤهلاتهم العلمية يحتاج إلى نظرة أوسع من مجرد تحميل المبتعث مسؤولية التعثر. فالمبتعث ربما يتحمل جزءاً من المسؤولية بلا شك لكن هناك مسؤوليات مشتركة تقع أيضاً على الجامعة والملحقية التعليمية والأسرة ولكل طرف دور في مساعدة المبتعث على النجاح.
فالجامعة، ممثلة في إدارة الابتعاث والجهات الأكاديمية ذات العلاقة، مسؤولة عن متابعة المبتعث منذ بداية ابتعاثه وحتى عودته. ولا ينبغي أن تقتصر المتابعة على الإجراءات الإدارية، بل يجب أن تشمل المستوى الدراسي والتعرف مبكراً على أي مشكلة قد تؤثر في مسيرته.
فإذا كان لدى المبتعث ضعف دراسي أو مشكلة في برنامجه الأكاديمي فمن المهم أن تتدخل الجامعة في الوقت المناسب، وأن تقدم له الإرشاد والحلول المناسبة بدلاً من الانتظار حتى تتفاقم المشكلة ويصبح علاجها أكثر صعوبة.
كما يجب على الجامعات ألا تتعامل مع جميع حالات التعثر بالطريقة نفسها، بل من المهم دراسة وضع كل مبتعث على حدة، ومعرفة الأسباب الحقيقية للتأخير، وما أنجزه، وما تبقى له من متطلبات للحصول على الدرجة العلمية.. فقد يكون بعض المبتعثين قد استنفدوا سنوات التمديد المقررة لهم ولم يتبق لهم سوى بضعة أشهر لإكمال متطلبات الدرجة ثم تنتهي مدة الابتعاث وترفض الجامعة التمديد بحجة استنفاد المدة المحددة الأمر الذي  يؤدي إلى عودة المبتعث دون الدرجة، وإغلاق ملفه وتوقف الصرف عليه، رغم أنه ربما كان قريباً جداً من إكمال متطلبات التخرج.
وهنا ينبغي على الجامعات دراسة إمكانية التمديد الاستثنائي في الحالات التي توجد فيها أسباب موضوعية ومبررة ويكون من المتوقع أن يؤدي التمديد إلى تمكين المبتعث من إكمال متطلبات الدرجة والعودة بها.
فليس كل تأخر دراسي بالضرورة يعني فشلاً أو تقصيراً فقد يكون التأخير مرتبطاً بطبيعة البرنامج ومتطلبات البحث العلمي مثل إجراء التجارب العملية أو جمع البيانات وتحليل النتائج، وهي أمور قد تستغرق وقتاً أطول من المقدر لها وهو ما  يؤدي إلى استنفاد جزء من مدة الابتعاث دون أن يكون المبتعث قد أهمل دراسته.
ومن هذا المنطلق ينبغي ألا يكون الحكم على حالة المبتعث مبنياً على المدة المستنفدة فقط، وإنما على تقييم وضعه الأكاديمي بصورة شاملة، وما تبقى له من متطلبات وأسباب التأخير ومدى إمكانية إكمال الدرجة خلال فترة تمديد معقولة.. فقد يكون تمديد محدود جداً سبباً في عودة مبتعث بمؤهله العلمي بدلاً من عودته بعد سنوات من الدراسة والإنفاق على ابتعاثه دون الحصول على الدرجة.
كما أن متابعة المبتعث لا ينبغي أن تبدأ بعد سفره، وإنما قبل ذلك. فالاستعداد الجيد يمكن أن يقلل كثيراً من المشكلات التي قد تواجهه لاحقاً.. ومن أهم ذلك تعزيز مستوى اللغة الإنجليزية، أو اللغة التي يحتاج إليها بحسب دولة الابتعاث والبرنامج الدراسي، إلى جانب تقديم دورات قبل السفر تشمل مهارات الدراسة والبحث العلمي وإدارة الوقت والتعامل مع متطلبات الجامعات في دول الابتعاث.
وفي المقابل لا يمكن إغفال مسؤولية المبتعث نفسه. فالابتعاث فرصة علمية كبيرة ويتطلب الجدية والانضباط والالتزام بالدراسة وإدارة الوقت كما يجب عليه المبادرة بطلب المساعدة عندما يواجه مشكلة دراسية، وألا ينتظر حتى تتحول المشكلة إلى تعثر يصعب تجاوزه.
وهنا يأتي دور الجامعات بصورة أكبر، خصوصاً الجامعات التي لديها خطط استراتيجية وتنفيذية واضحة ومؤشرات أداء تقيس نتائجها..فنجاح المبتعثين هدف استراتيجي فمن المهم أن يكون نجاح مبتعثي الجامعة أحد أهدافها الاستراتيجية لا أن يكون الابتعاث مجرد إجراء تقوم به إدارة مختصة.. فالمبتعث استثمار بشري للجامعة ونجاحه في الحصول على الدرجة العلمية في الوقت المناسب يمثل جزءاً من نجاح الجامعة في تحقيق أهدافها. ولهذا يمكن أن تتضمن الخطط الاستراتيجية أهدافاً واضحة تتعلق بالمبتعثين مثل رفع نسبة إكمال البرامج العلمية، وتقليل حالات التعثر وتحسين المتابعة الأكاديمية، والاستفادة من المبتعثين بعد عودتهم.
وعندما يصبح هذا الهدف جزءاً من الخطة الاستراتيجية، يمكن للجامعة قياس نسب التعثر وأسبابه ومتابعة الإجراءات المتخذة لمعالجتها، وتطوير أداء إدارة الابتعاث لتصبح جزءاً من منظومة تحقيق أهداف الجامعة وليست مجرد إدارة لإنجاز معاملات الابتعاث.
ويكتمل الأمر بالدور الفاعل للملحقيات التعليمية في دول الابتعاث من خلال المتابعة الأكاديمية المستمرة والتعرف على حالات التعثر في وقت مبكر والتنسيق مع الجامعات والمبتعثين لمعالجة المشكلات قبل تفاقمها. كما أن تعزيز التواصل بين الملحقيات الثقافية والجامعات السعودية والجامعات التي يدرس فيها المبتعثون يمكن أن يسهم في تحسين المتابعة وسرعة معالجة المشكلات.
إن معالجة عودة المبتعثين دون مؤهلات علمية لا تكون بالبحث عن طرف واحد  وإنما بفهم أسباب التعثر والعمل على منعه ومعالجته مبكراً.
فالجامعة مسؤولة عن الاختيار والإعداد والمتابعة والمبتعث مسؤول عن الجدية والاجتهاد، والأسرة مسؤولة عن الدعم والتشجيع والوزارة  والملحقيات التعليمية والجامعات مسؤولة عن المتابعة الأكاديمية المستمرة.
وفي الوقت نفسه، يجب على الجامعات تطوير وتعزيز دور إدارات الابتعاث بشرياً وتقنياً، والنظر إلى كل حالة بصورة موضوعية وفردية وجعل نجاح مبتعثيها هدفاً واضحاً في خططها الاستراتيجية والتنفيذية.
الابتعاث ليس مجرد إرسال طالب إلى الخارج، وإنما استثمار في الإنسان يبدأ بالإختيار الجيد ثم بالإعداد  مع  المتابعة والددعم المستمرين وينتهي بعودة المبتعث حاملاً مؤهله العلمي وخبرته للمساهمة في بناء جامعته ووطنه.
احصل على Outlook لـ iOS

كاتب رأي 

البروفيسور فيصل عبدالقادر بغدادي

أديب وكاتب رأي وأستاذ جامعي سابق في جامعة أم القرى ومستشار وباحث في التخطيط الاستراتيجي والقيادة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.