كُتاب الرأي

التربية.. حين تتغير الحياة وتتغير أدواتها

التربية.. حين تتغير الحياة وتتغير أدواتها

بدر بن سالم

التربية أمر متغير مع الأجيال، فلكل زمن أدواته وطرقه، وإن كانت الغاية واحدة: بناء إنسان صالح يعرف حقه وواجبه، ويحترم نفسه ومجتمعه.
الجيل الأول في المملكة تعلّم الصرامة والقوة، وكان إنكار الخطأ مسؤولية الجميع؛ فالإمام، والجار، والعم، والأب، كلهم يرون أن من واجبهم توجيه الطفل وتقويمه. كان المجتمع آنذاك أكثر ترابطًا، ولا يرضى بالخطأ، وكانت المصلحة العامة مقدمة على رغبة الفرد.
ثم تغيرت الحياة، وبدأ الشاب يبتعد عن بيت أهله، ويكوّن أسرة لها قوانينها الخاصة، وقد تختلف طريقة تربيته عن طريقة تربية زوجته. وهكذا أصبح الطفل خليطًا من أساليب تربوية مختلفة. فإذا صرخ العم أو الخال في وجه الطفل، ظهرت العبارة الشهيرة: «لا تتدخل بولدي، أنت حر بعيالك».
وحين يقع الشاب في خطأ، قد يأتي العم أو الخال متحسرًا أو شامِتًا: «ألم أقل لكم؟» فتبدأ القطيعة، لأن كل طرف يرى أنه صاحب الحق والآخر مخطئ.
واليوم أصبح الطفل أكثر حساسية تجاه الصوت المرتفع، وأكثر تأثرًا بما يدور حوله من مؤثرات اجتماعية وإعلامية. وإذا جاءه صوت رجل كبير، فقد ينظر إلى المجتمع كله باعتباره مصدرًا للأخطاء، ويتمنى أن تعود العصا لتكون أداة للتربية.
لكن التربية ليست عصًا فقط، وليست دلالًا فقط.
لكل جيل أدواته في التربية. قد يكون الذهاب إلى الحديقة بعد الدراسة، وتغيير جو الأسرة ولو ساعة واحدة، وسيلة تربوية تصنع أثرًا عجيبًا في نفس الطفل. وقد تكون جلسة الأب مع ابنه، أو مشاركته في عمل بسيط، أو الاستماع إليه، أبلغ من عشرات الأوامر.
وحين نتأمل منهج النبي ﷺ في بناء الجيل الأول، ندرك أن صناعة الإنسان لا تكون بالقسوة وحدها. فقد تخرج على يديه جيل من الصحابة رضي الله عنهم، ثم جاء بعدهم التابعون وتابعوهم، وبقيت سيرتهم ذكرى عطرة في تاريخ الإسلام.
فكيف بُني ذلك الجيل؟
بالتدرج، والقدوة، والتعليم، والحوار، والحزم حين يحتاج الموقف إلى حزم، والرحمة حين تحتاج النفس إلى رحمة.
فالابن سيخطئ، وهذه حقيقة لا يمكن إلغاؤها. وحين يكبر ويختلط بأقرانه سيخطئ أكثر، لأن الحياة نفسها مدرسة.
أذكر أنني كنت في مجلس أتحدث، فإذا بابني فهد يقاطعني ويقول: «بابا، كلامك موب زين، عيب».
لم أزجره، وقلت له: «هذا بيت شعر قلته»، ثم أكملت حديثي. وبعد أن ركبت معه، وجهته بهدوء وقلت: «يا فهد، عيب تقاطع الرجال وهم يتحدثون».
كنت أستطيع أن أصرخ أمام المجلس، لكنه كان سيخرج من الموقف خائفًا، وربما لم يفهم لماذا أخطأ. أما التوجيه الهادئ فيعطي الطفل فرصة أن يتعلم دون أن يشعر أن أباه عدوه.
وأذكر أخًا يمنيًا كان لديه أبناء يعملون في سن المراهقة. مرت السنوات، فإذا بهم رجال يعتمدون على أنفسهم. ذهبت يومًا إلى الصناعية، فسألت عن والدهم، فقالوا: «في المسجد يصلي».
أخذت أغراضي وذهبت إلى المسجد، وتحدثت معه، فقال لي: «أنا أزرع في أبنائي حب العمل حتى يستمر الحال. ومن أراد منهم أن يكون طبيبًا أو مهندسًا فلن أمنعه، لكنني أريد أن يعرف قيمة العمل». وكان ينتظر فرصة للذهاب إلى أبنائه في اليمن.
وهنا نتعلم أن التربية ليست حماية الطفل من كل تعب، بل تعليمه كيف يتعامل مع التعب.
وهناك أخ أردني أحب منتجاته الشامية، وكنت كل عام آخذ منه الزيتون وبعض المنتجات. كان لديه فلسفة عجيبة في تربية أبنائه؛ كان الطفل يحمل بعض الأغراض، ثم يعود ليقرأ ويحل واجباته. وكان يقول لي: «أريده أن يعرف أن العلم يمنعه من حمل الأغراض مستقبلًا، وأن يعرف أيضًا معنى الريال».
عندها أدركت أن الدلال الدائم قد يصنع طفلًا يعتمد على الآخرين، وأن إبعاد الطفل عن كل متاعب الحياة قد يجعله عاجزًا عن مواجهة الحياة حين يكبر.
وكذلك فإن تجهم الوجه الدائم، والقسوة، وبناء جسور لا تُرى بين الأب وأبنائه، ليست قوة بالضرورة؛ فقد تكون أحيانًا حيلة إنسان يخشى هشاشته، فيفرض صلابته على أبنائه.
الأب ليس مطلوبًا منه أن يكون مخيفًا، كما أنه ليس مطلوبًا منه أن يكون صديقًا بلا حدود.
كن كشعرة معاوية؛ لا تسمع للجاهل فتخسر ابنك، ولا تجعل خوفك من كلام الناس يدفعك إلى القسوة عليه. ازرع طاعتك في قلبه بتنمية حبك له، واجعل الحزم امتدادًا للمحبة لا نقيضًا لها.
فالأجيال تتغير، والحياة تتغير، وأدوات التربية تتغير، لكن الإنسان يبقى بحاجة إلى ثلاثة أشياء لا تتغير: قدوة يقتدي بها، وحدود تحميه، وقلب يشعر أنه محبوب.
وهذه هي التربية التي تستطيع أن تعبر من جيل إلى جيل دون أن تفقد معناها.

كاتب رأي 

بدر بن سالم

أديب سعودي وكاتب رأي وروائي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.