كُتاب الرأي

حين عاد جون سنو… من الذي عاد؟

حين عاد جون سنو… من الذي عاد؟

بدر بن سالم 

كان اللقاء عابرًا مع الدكتور يزيد المطيري، طبيب سكري، لكنه ترك في داخلي سؤالًا لم يكن عابرًا.
تحدث عن إنسان توقف قلبه ثم عاد للحياة، وكيف بان عليه التغيير في أسلوبه ونظرته.
عند تلك اللحظة تساءلت في نفسي: ما الذي يحدث لنا عندما نقترب من النهاية ثم نعود؟ هل نعود كما كنا؟ أم أن شيئًا في الداخل يتبدل؟
تذكرت شخصية «جون سنو» في مسلسل «صراع العروش».
ليس السؤال عندي: هل عاد؟
بل: من الذي عاد؟
فهذا سؤال مختلف.
نعرف الإنسان من عاداته، من ردود أفعاله، من الأشياء التي تغضبه وتفرحه، ومن اهتمامه بما حوله. فإذا تغيرت هذه الأشياء، نشعر أن الشخص نفسه صار شخصًا آخر.
والغريب أننا لا نحتاج توقف القلب حتى يحدث ذلك.
بعض الناس يموت فيهم الغضب، ورغبة إثبات الذات، وخصام قديم وهم أحياء. ويصحو الإنسان ذات صباح ليجد أن ما كان يرهقه بالأمس لا يستحق منه كل ذلك الركض.
لذلك ربما نحن لا نحتاج دائمًا إلى تجربة الموت لنتعلم كيف نعيش.
يكفي أن نتأمل، أن نتوقف قليلًا، أن نسأل أنفسنا بصدق:
لو كانت هذه آخر سنة في عمري، هل سأعيشها بالطريقة نفسها؟
لو كنت أعرف أن أمامي وقتًا محدودًا، من الشخص الذي سأذهب إليه؟
ومن الذي سأعتذر منه؟
ومن الذي سأقول له: أحبك؟
وما الشيء الذي سأتركه خلفي دون أن ألتفت إليه؟
هذه الأسئلة ليست تشاؤمًا.
بل ربما تكون من أكثر الأسئلة التي تعيد الإنسان إلى الحياة.
لأن معرفة النهاية لا تعني أن نعيش خائفين منها، بل أن نعيش أكثر وعيًا بما هو بين أيدينا.
وهنا أتذكر مرة أخرى جون سنو.
لم تكن عودته مجرد عودة إلى المكان الذي كان فيه، كانت عودة تحمل سؤالًا عن الإنسان نفسه.
فالعودة الحقيقية ليست دائمًا أن يعود الجسد إلى الحياة.
أحيانًا يعود الإنسان إلى نفسه.
يعود أكثر هدوءًا، أكثر رحمة، أقل تعلقًا بما يفنى.
وقد لا يحتاج الإنسان أن يموت حتى يعرف كيف ينبغي أن يعيش.
أحيانًا يكفي أن يستيقظ، يعفو، يعتذر، يترك ما يؤذيه، ويعرف أن عمره أقصر من أن يقضيه غاضبًا.
وأن القلب، قبل أن يتوقف يومًا بأمر الله، يستحق أن نخفف عنه ما حملناه فيه من أثقال.
فربما أجمل عودة ليست عودة القلب إلى النبض فحسب، بل عودة الإنسان إلى نفسه.
وربما كان هذا هو السؤال الذي بقي معي بعد ذلك اللقاء العابر:
كم من إنسان يحتاج فقط أن يتذكر أنه سيموت حتى يعرف كيف ينبغي أن يعيش؟

كاتب رأي

بدر بن سالم

أديب سعودي وكاتب رأي وروائي

‫3 تعليقات

  1. دكتور يزيد، أنت من يتعب لأجل راحتنا ويشقى في سبيل أن نكون بخير، وأنا لم أفعل سوى أنني ترجمت بعض ما قلته لي إلى كلمات، وحاولت أن أمنح حديثك العابر مساحة تليق بجمال معناه.

    أسعدني كثيرًا أن يكون حديثنا شرارة لهذا النص، والأجمل أن تأتي الإشادة من رجلٍ مثلك؛ لأنك لا تتحدث من فراغ، بل من تجربة وعلم وإنسانية.

    سلمت يا دكتور، وسلم فكرك ووقتك وقلبك الذي يتعب من أجل الآخرين. وأعتز كثيرًا بصداقتك وكلماتك.

  2. مقال جميل يا ابو فهد، والأجمل كيف أخذت حديثًا عابرًا بيننا إلى هذه المساحة الجميله من التأمل.

    ربما ليست كل عودة أن يعود القلب للنبض، فبعض الناس أحياء لكنهم يحتاجون أن يعودوا لأنفسهم، وبعض التجارب لا تعيد الإنسان كما كان، بل تعيده أكثر وعيًا بما يستحق أن يُعاش وما يستحق أن يُترك.

    استمتعت جدًا بقراءته، وأسعدني أن يكون حديثنا شرارة لهذا النص الجميل. سلم فكرك وقلمك يا صديقي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.