كُتاب الرأي

سجدة بزحمة الطريق

سجدة بزحمة الطريق

بدر بن سالم 

في زحمة الطرق في جميع أنحاء المملكة، قد يأسرك منظر لا يتكرر كثيرًا؛ رجل أمن يترك كل شيء، ويقف لأداء الفريضة.
وأتحداك ألا تصادف يومًا هذا المشهد.
رجال الأمن ليسوا مجرد زيٍّ رسمي أو تعليمات وأنظمة؛ هم أبناء هذا المجتمع، يراعون مشاعر الناس، ويعملون في صمت، وكثير من جهدهم لا نراه ولا نعرف عنه شيئًا.
وأعتبر نفسي محظوظًا أنني دخلت مبنى وزارة الداخلية قبل نحو عشرين عامًا؛ ذلك المبنى الراقي، والبناء الذي قلّ أن تجد مثله، وكان دخولي في أكثر من معاملة؛ بعضها انتهى بحل، وبعضها أُعيد توجيهي فيه إلى الجهة المختصة.
وأذكر في رمضان أنني كنت لدى وكيل الوزارة في معاملة، ولم تمضِ سوى نصف ساعة حتى عادت إليّ المعاملة موقعة، فخرجت وأنا أدعو لكل من سعى فيها.
تغيرت وزارة الداخلية، وتغيرت الملفات، واتسعت مسؤولياتها، وأصبح صاحب السمو الملكي الأمير عبدالعزيز بن سعود بن نايف يحمل ملفات أمنية ودولية كبيرة، ومع ذلك بقيت قيمة الإنسان حاضرة.
وقد تشرفت بإهدائه روايتي «٢٣ سبتمبر»، وكان ذلك بالنسبة لي موقفًا أعتز به.
والأمير عبدالعزيز بن سعود بن نايف، حفظه الله، امتداد لأسرة عرفت الأمن والدولة والمسؤولية؛ فهو ابن الأمير سعود بن نايف، وحفيد الأمير نايف بن عبدالعزيز، رحمه الله.
أما الأمير سعود بن نايف، فقد كان حاضرًا في ميادين كثيرة من خدمة الوطن؛ من بينها الرئاسة العامة لرعاية الشباب، قبل أن تصبح وزارة الرياضة، وكان له حضور في مرحلة تحقيق كأس آسيا إلى جانب الأمير الراحل فيصل بن فهد، رحمه الله، ثم تولى إمارة المنطقة الشرقية، واستمر في أداء مسؤولياته بهدوء وحكمة.
وأما الأمير نايف، رحمه الله، فمهما كتبت عنه فلن تكفي السطور؛ يكفي أن تقول: نايف بن عبدالعزيز، فيعرف الناس ماذا تعني هذه المدرسة الأمنية.
واليوم نرى الأمير عبدالعزيز بن سعود، حفظه الله، يتحرك في ملفات الأمن والعمل الميداني، ضمن منظومة وطنية يقودها عرّاب رؤية 2030، سيدي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، حفظه الله.
والأمن في بلادنا له شخصية مختلفة؛ فيه حنان وأخوة ونصرة، وفيه في الوقت نفسه حزم وعزم مع من يتجاوز الأنظمة أو تسوّل له نفسه العبث بأمن الناس.
وأنا لا أكتب رواية إلا وأمضي بسيارتي مستسلمًا للأفكار، بعيدًا عن حدود المدينة، أبحث عن فكرة أو مشهد أو حكاية تستحق أن تُكتب.
وفي إحدى المرات تعطلت سيارتي على طريق سريع، وكأن محركها كان يلفظ أنفاسه الأخيرة من الوقود.
اتصلت بالرقم الموحد.
لم يسألني الرجل أسئلة كثيرة.
قال فقط:
«بدر، وين موقعك تحديدًا؟ معك أحد؟»
قلت: «لا، مجرد وقود.»
لم تمضِ إلا دقائق، وإذا برجل الأمن يصل إليّ، ويعطيني ماءً باردًا ويقول:
«دقائق ويجيك الوقود.»
وصل الوقود، وسألته: «كم؟»
فقال:
«ادعِ لي، ولا عاد تنسى تعبي سيارتك.»
والله إني إلى اليوم، كلما صليت أو جلست في مجلس، دعوت لذلك الرجل.
هذه المواقف لا تُكتب في التقارير، ولا تُعلّق على الجدران، لكنها تبقى في ذاكرة الإنسان.
وأذكر في أحد أحياء الرياض، جاء حادث عند أذان المغرب في رمضان؛ حضرت الجهات الأمنية والإسعاف، ولم تمضِ دقائق حتى جاء أهل الحي يحملون الإفطار والماء البارد.
هذه أرض الكرم، وهذا شعب تربى على الكرم والمروءة، وتعلم من مؤسس هذه البلاد، الملك عبدالعزيز، طيب الله ثراه، أن الإنسان لأخيه الإنسان.
الأمن جزء منا، ونحن جزء منه.
وحين تصادف نقطة تفتيش، أضئ الأنوار داخل السيارة، ودع رجل الأمن يراك بوضوح؛ أنت بذلك تسهّل مهمته، وتقول له بطريقة بسيطة: «أنا معك.»
لقد عشت مواقف لو كانت في بلد آخر لربما أصبحت قصة تتناقلها الصحف، بينما نحن نعيشها في أمن وطمأنينة، وكثير من رجال الأمن يؤدون أعمالًا عظيمة دون أن يخرجوا بها إلى الملأ.
وأذكر رجلًا عربيًا قال لي يومًا:
«لا أنسى العسكري الذي كان يقدمني على السعوديين بسبب زوجتي.»
هذا هو الأمن حين تكون معه الإنسانية.
وحتى ابني فهد له مع رجال الأمن قصة.
كنا ذات يوم في صلاة الجمعة، وبعد الصلاة رأى رجل الأمن، فرفع يده بتحية عسكرية، فرد رجل الأمن التحية، وسلّم عليه ودعا له.
شكرت رجل الأمن، وذهبت.
ففرح فهد وقال لي:
«بابا، أبي أصير عسكري.»
قلت له: «ليه؟»
قال:
«العسكري شجاع، ما يخاف.»
قلت له:
«أكيد.»
ابتسمت، لأن الطفل رأى في رجل الأمن شيئًا أكبر من الزي؛ رأى الشجاعة.
وفي أيامنا الوطنية، تعمل قطاعات الأمن ليلًا ونهارًا، وتنظم الوفود، وتحمي الفعاليات، وتتعامل مع حالات الفرح والزحام.
نحن نفرح، نعم.
ونجدد ولاءنا لوطننا، ونفرح بهذه الأرض الطاهرة وولاة أمرنا، حفظهم الله.
لكن فرحتنا لا تكتمل إلا باحترام الأنظمة.
لا نريد أن يتحول فرحنا إلى تعب على رجال الأمن.
هم حرموا أنفسهم من الراحة حتى نفرح نحن، وحين نذهب إلى الأماكن العامة والمتنزهات والفعاليات، فلنتذكر أن وراء كل طريق مغلق، وكل تحويلة، وكل نقطة تفتيش، رجلًا يقف لأجلنا.
وقد غنّى طلال مداح:
«وطني الحبيب وهل أحب سواه»
وكان وطنه وطننا، وما زال.
وسيظل الأمن نعمة لا نشعر بقيمتها كاملة إلا حين نفقدها.
اللهم احفظ المملكة العربية السعودية، واحفظ رجال أمنها، واحفظ قيادتها وشعبها، واجعل هذا الوطن آمنًا مطمئنًا شامخًا، واجزِ رجال الأمن عنا خير الجزاء.

كاتب رأي 

بدر بن سالم

أديب سعودي وكاتب رأي وروائي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.