كُتاب الرأي

أنا وليلى… اغنية كاظم الساهر والكارما منها

أنا وليلى…  اغنية كاظم الساهر  والكارما منها

بدر بن سالم 

كنت في الخامسة عشرة من عمري حين عشقت أغنية كاظم الساهر «أنا وليلى». كنت أستمع إليها ليلًا ونهارًا، مأخوذًا بسحر كلمات الشاعر حسن المرواني، ذلك الشاعر الذي جعل من «ليلى» أكثر من مجرد اسم؛ جعلها رمزًا للحب المستحيل، وللشوق الذي يضيء القلب رغم عتمة الليل، وللانتظار الذي يظل يسكن الإنسان حتى وهو في يقظته.
كنت أستمع إليها آنذاك كصبي مفتون بالكلمات والموسيقى، دون أن أدرك أن بعض الأغاني لا تمر من آذاننا فحسب، بل تستقر في مكان ما من أرواحنا، ثم تعود إلينا بعد سنوات وكأنها تعرف الطريق.
وللأسف، عشت بعض تفاصيلها لاحقًا كما لو أنني كنت أقرأ شيئًا من حياتي قبل أن أعيشه. فقدت الوظيفة، والزوجة، وابتعد عني ابني، وتبدلت أشياء كثيرة كنت أظن أنها ستبقى معي إلى آخر العمر.
وربما لهذا راودتني فكرة «الكارما».
الكارما، في بعض الفلسفات والمعتقدات الإنسانية، تقوم على فكرة أن ما يزرعه الإنسان في حياته قد يعود إليه بصورة أو بأخرى؛ خيرًا كان أو شرًا، وكأن الأيام تحتفظ بأثر أفعالنا ومشاعرنا، ثم تعيد إلينا صداها في وقت لا نتوقعه.
لكنني، وأنا أتأمل حياتي اليوم، لا أريد أن أضع كل ما حدث لي تحت مسمى الكارما. فالإيمان أعمق من ذلك؛ نحن لا نملك تفسير القدر كله، ولا نعرف لماذا تُغلق بعض الأبواب في وجوهنا، ولماذا نفقد أشخاصًا أحببناهم، ولماذا تتبدل الحياة في لحظة واحدة.
أستغفر الله عن ذنوبي، وأسأله العفو والمغفرة، وأؤمن أن ما أصابني وما سيصيبني إنما هو في علم الله وتقديره، وأن الإنسان قد يرى في المنع خسارة، بينما يكون في طياته نجاة لا يعرفها إلا الله.
أبدع كاظم الساهر في منح القصيدة حياة أخرى، وفي إدخال الموسيقى العربية بكل ثرائها ومقاماتها وإحساسها إلى فضاءات واسعة، حتى أصبحت الأغنية العربية قادرة على مخاطبة جمهور يتجاوز حدودها.
لكن الحياة، مثل الأغنية، لها مقاماتها أيضًا؛ تصعد بنا حينًا، وتهبط بنا حينًا آخر.
ومع الأيام قلّ المال، وندر الأصدقاء، وتبدلت الوجوه. وعرفت أن بعض من يحيطون بك في وفرة الأيام ليسوا بالضرورة رفقاءك في أيام العسر، وأن الإنسان لا يعرف حقيقة الأشياء إلا حين تتغير ظروفه.
وتذكرت وأنا أقرأ في كتب الأدب حكايات المغنين القدماء، ومن بينها ما يُروى عن إبراهيم الموصلي، ذلك العازف والمغني صاحب الصوت الشجي، حين حضر في ليلة أنس بدعوة من فتاة ثرية، فاجتمع الناس للغناء والشراب، وكان مجلس العازف في الأسفل والجمهور في الأعلى، حتى انهار البيت بمن فيه، في مشهد مأساوي يصلح أن يكون خاتمة لحكاية عن المجد حين يجاور الفناء.
ولعل أجمل ما تعلمته من كل ذلك أن الإنسان مهما ظن أنه فهم الحياة، يبقى عاجزًا عن معرفة الغيب.
فالقدر ليس لنا أن نفسره كله، وإنما لنا أن نعيشه بالصبر، وبالتسبيح والتهليل والدعاء، وبالقرب من الله عز وجل.
لقد أخذت مني الحياة أشياء كثيرة، وربما أعطتني في المقابل شيئًا أثمن: أن أعرف ضعفي، وأن أتخفف من التعلق بما في أيدي الناس، وأن أطرق باب الله وحده.
لم أعد أريد إلا عطاء الله.
فإذا أعطى الكريم… أدهش.
وربما كانت «أنا وليلى» التي سمعتها في الخامسة عشرة مجرد أغنية أحببتها، وربما كانت مصادفة عابرة، وربما تركت في داخلي أثرًا لم أفهمه إلا بعد عقود.
أما اليوم، فلا أبحث عن الكارما بقدر ما أبحث عن الرحمة.
ولا أبحث عن تفسير لكل ما فقدت، بقدر ما أرجو أن يعوضني الله خيرًا مما مضى.
فما عند الله أبقى…
وإذا أعطى الكريم، فلا حدود لعطائه.

كاتب رأي 

بدر بن سالم

أديب سعودي وكاتب رأي وروائي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.