كُتاب الرأي

حين يكذب المظهر

حين يكذب المظهر

تأملتُ أحوال الخلق، فإذا بالواقع غالباً ما يسير على نقيض ما يظهر، وكما يقال في نجدنا: “الموية تكذب الغطاس”. فالعين تنخدع بالقشور، والحقائق تُطبخ في قدورٍ مستورة لا يراها إلا ذو بصيرة.
​فمن ذلك: أنك ترى البنت المثقفة تتوارى خلف نظارتها، وجسدها يئنُّ طلباً لتدخل الجراح لقص المعدة، والكاتب الذي يتحدث عن الغرام ابشع وجه ووزنه مابين الثلاث ارقام متعدي حاجز المائة . بينما ترى الكاتب الذي يسحر الألباب بحديث الغرام، أبعد الناس وسامة، بل قد تجاوز في ثقله القنطار، فيفارقه المنظر ويلازمه المخبر. وترى الممثل الذي سلب العقول بجماله، لا يحمل في رأسه إلا خلاءً، وطبيباً نفسياً يسمع أنينك وهو عنه بمعزل، لا يشعر بحرارة جمرك، بل هو مجرد “منظم لمرور الأرواح”، يعطيك مفتاح الحل الذي عميتَ عنه بتعنتك، ثم يتركك لتعود إلى مجتمعك وحدك.
​ومن عجيب التأمل: حال السياسي الذي يظنه العامة غافلاً، بينما هو يرى ما لا يروه، ويحصي الحيل التي تُحاك ضد البلد لحظة بلحظة. فما تراه في الإعلام من عثرة أو “ضحكة” ليست إلا ارتجالاً بشرياً، أما أصل العمل فبنيانٌ شُيّد في آلاف الساعات من الدقة والحذر.
​واعلم يا بني.. أن الوعي “لعنة” تلاحق صاحبها؛ فالمثقف إذا حلل الأمور، ثم نطق بها أمام الجهلاء، صار حاله كحال نوح مع قومه. لذا تراه يؤثر “الصمت” في زمن خروج الرويبضة، لأن مخزونه المعرفي يمنعه من النزول إلى درك العبث.
​وانظر إلى “مارلون براندو”: ذلك الذي أبهر العالم بتقمص شخصية “العراب”، كان يكتب حواره على “حفاظة طفل” كأنه ببغاء يلقن! لكنه حين يدخل في الشخصية، يصنع خلداً لا يُدانى؛ ببحّة حنجرته أو بروز فكه. إنها العبقرية التي قد تسكن جسداً أحمق، لتثبت لك أن “العمق” الذي يرهبك ليس إلا سراباً خادعاً إذا اقتربت منه.
​فيا أيها المريد: لا يغرنك بريق الظاهر، فربّ باطنٍ يغلي بغير ما يبديه الوجه، وربّ هيبةٍ ما هي إلا وهمٌ نسجته يد الخيال.

كاتب رأي 

بدر بن سالم

كاتب رأي وروائي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.