كُتاب الرأي
حين يصبح الجدل مضيعة للوقت

حين يصبح الجدل مضيعة للوقت
بدر بن سالم
ليس كل نقاش يستحق أن يُخاض، وليس كل من يسمع النصيحة يريد أن ينتفع بها. فبعض الناس يعدّ النصيحة انتقاصًا من قدره، لا رغبةً في إصلاحه، ولذلك يتحول الحوار من بحثٍ عن الحقيقة إلى معركة لإثبات الذات.
يُقال: “من يكون الغراب له دليلًا، يأتِ به إلى جيف الكلاب.” فاختيار من تستمع إليه لا يقل أهمية عن اختيار الطريق الذي تسلكه.
أذكر أنني شرحت مسألةً لأحد الأشخاص، فلم يقتنع وقال: “أنت مخطئ، سأتصل بالشيخ.” فقلت له: “تفضل.” فلما أجابه الشيخ بنفس الجواب، قال له: “يا شيخ، أظنك لم تفهم المسألة!” عندها أدركت أن المشكلة لم تكن في الدليل، بل في رفضه لقبول ما يخالف رأيه، فأنهيت النقاش وتركته، لأن بعض الحوارات لا تُثمر.
وتُنسب إلى الإمام الشافعي مقولة مشهورة، وإن لم تثبت عنه بإسناد موثق:
“ما جادلتُ عالمًا إلا غلبتُه، وما جادلني جاهلٌ إلا غلبني.”
ومعناها أن الجاهل لا يغلب بالحجة، وإنما يُفسد الحوار؛ لأنه قد يرفض الدليل، أو يغيّر موضوع النقاش، أو يكرر الدعوى دون برهان، أو يهاجم الأشخاص بدل الأفكار.
ولهذا قال الله تعالى:
﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: 63].
فالحكيم يعرف متى يتحدث، ويعرف أيضًا متى ينسحب.
ومن المهم التفريق بين قليل العلم والجاهل؛ فقليل العلم قد يتعلم إذا وجد من يعلمه، أما الجاهل الذي يرفض الدليل ويتكبر عن الحق، فالحوار معه غالبًا لا يؤدي إلى نتيجة.
وهناك قصة لطيفة تبين كيف تنتقل العادات دون سؤال عن سببها: رأى رجل زوجته تقطع ذيل السمكة قبل طبخها، فسألها: لماذا؟ قالت: هكذا كانت أمي تفعل. فسأل الأم، فقالت: هكذا كانت جدتك تفعل. فلما سأل الجدة قالت: لأن القدر الذي عندي كان صغيرًا، والسمكة أكبر منه! فتحولت الحاجة إلى عادة، ثم أصبحت عادة بلا سبب.
لذلك لا تجعل كثرة الأصوات تغنيك عن البحث عن الدليل، ولا تجعل العادة تغنيك عن التفكير. أحسن إلى الناس بالنصيحة، لكن لا تُضِع عمرك في جدال من لا يريد الوصول إلى الحق. فالعقل ينمو بالحوار الصادق، وبقبول الدليل، وبالتفكير النقدي، لا بكثرة.
من افضل ما قراة لكاتب اسرد شي من الحقيقة