في ظلال المسرح

ستانسلافسكي الرائد الذي أعاد اكتشاف الإنسان المسرحي

ستانسلافسكي الرائد الذي أعاد اكتشاف الإنسان المسرحي

محمد مفرق

عندما تنتهي كل الحيل ، وعندما لا تعود نبرة الصوت كافية لصناعة الحالة ، ولا الدموع وحدها قادرةً على إقناع المتفرج بالحزن ، ولا الحركة تستطيع أن تمنح الشخصية حياة لا تملكها من الداخل ، هنا يظهر السؤال الذي أعاد تشكيل علاقة الممثل بالشخصية : كيف يمكن للتمثيل أن يصبح صادقاً إلى الحد الذي ينسى معه المتفرج أنه يشاهد تمثيلاً ؟

من هذه التساؤلات بدأت حكاية ستانسلافسكي.

لم يكن ستانسلافسكي يبحث عن ممثل أكثر براعةً في استخدام أدواته، بقدر ما كان يبحث عن ممثل أكثر قدرةً على فهم الإنسان . ولذلك لم يكتفِ بالسؤال التقليدي : كيف أمثل هذه الشخصية؟ بل دفع الممثل إلى سؤال أكثر عمقاً: من هذا الإنسان الذي أريد أن أمثله؟وهذه النقلة الصغيرة في صياغة السؤال كانت كبيرة في أثرها.

فالشخصية عند ستانسلافسكي ليست هيئة خارجية يقلدها الممثل ، ولا مجموعة من الانفعالات التي يستدعيها عند الحاجة . إنها إنسان له ظروفه ، ودوافعه ، ورغباته ، ومخاوفه ، وعلاقاته ، وتاريخه . وكلما اقترب الممثل من فهم هذه العناصر ، أصبح سلوكه على الخشبة أكثر إقناعاً وأقل افتعالاً .

وهنا يتحول التمثيل من استعراض للمشاعر إلى بحث عن أسبابها .

فالممثل لا يحتاج إلى أن يتظاهر بالغضب لمجرد أن النص كتب كلمة ( غاضب ) . لكن ما عليه أن يسأل عنه : لماذا غضب ؟ ماذا يريد ؟ ماذا خسر ؟ ماذا يخشى أن يخسر ؟ وما الذي يمنعه من الوصول إلى ما يريد ؟ عند هذه النقطة ، تبدأ الشخصية في التنفس .

ولعل هذا هو جوهر إسهام ستانسلافسكي فقد جعل العمل على الشخصية بحثا مستمرا في دوافعها وظروفها ، وطور نظاماً تدريبياً أثّر بعمق في فن التمثيل الحديث ، ليس كوصفة جاهزة للأداء ، وإنما مجموعة من الأدوات التي تساعد الممثل على الوصول إلى أداء أكثر صدقاً وحيوية .

لكن اختزال تجربة ستانسلافسكي في نظام فقط قد يحرمنا من معناها الأوسع.

فالرجل كان في جوهر مشروعه يسأل عن الحقيقة .

ما الحقيقة في التمثيل؟
هل هي أن يبكي الممثل فعلاً ؟
أم أن يفهم لماذا تبكي الشخصية؟
هل الصدق أن يشعر الممثل بالمأساة التي يعيشها الدور ؟
أم أن يجد الطريق الذي يجعل المتفرج يشعر بها ؟

ربما لا توجد إجابة واحدة ، وهذه تحديداً قيمة السؤال .

لقد فتح ستانسلافسكي الباب أمام تصور يرى أن الممثل لا ينبغي أن يكون مجرد منفذ للنص، بل شريكاً في اكتشاف الشخصية . ومن خلال هذا التصور ، أصبح التدريب ، والتحليل ، والبحث في الدوافع ، والظروف المعطاة ، والانتباه إلى الفعل الداخلي والخارجي ، أجزاءً أساسية من صناعة الأداء .

والأهم أن أثره لم يتوقف عند زمنه أو مسرحه فقد امتد تأثير أفكاره إلى مدارس واتجاهات عديدة في التمثيل ، وأصبح اسمه حاضراً في النقاش العالمي حول علاقة الممثل بالشخصية والحقيقة المسرحية .

لكن السؤال الذي تركه ستانسلافسكي لنا ربما لا يزال أكثر أهمية من كل ما كتبه :
هل يستطيع الممثل أن يمنح الشخصية حياة حقيقية إذا لم يحاول أولاً أن يفهم الحياة نفسها ؟

هنا يصبح ستانسلافسكي أكثر من معلم للتمثيل ، ويصبح صاحب سؤال .

وربما لهذا بقي أثره حاضراً ؛ لأنه لم يخبر الممثل فقط كيف يؤدي ، بل دفعه إلى البحث عن لماذا يفعل .؟

وعندما يصل الممثل إلى هذه المنطقة ، لا تعود الشخصية شيئاً يقف أمامه على الورق ، بل إنساناً ينتظر منه أن يكتشفه .

كاتب مسرحي

محمد مفرق

إعلامي ومسرحي سعودي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.