في ظلال المسرح

الدراماتورج… مهندس المعنى في العرض المسرحي

الدراماتورج… مهندس المعنى في العرض المسرحي

محمد مفرق

في المسرح لا ترى كل المهن المسرحية بالعين ، فبعضها يعمل في منطقة لا تصل إليها الأضواء . وهناك أمكنة ومواقع تتشكل فيها الأفكار قبل أن تتحول إلى مشاهد ، وتُختبر فيها الرؤى قبل أن تصبح واقعاً على خشبة المسرح ، فهناك يقف شخص لا يبحث عن التصفيق ، بقدر ما يبحث عن أن يكون لكل مشهد مبرر ، ولكل كلمة ضرورة ، ولكل صمت دلالة . إنه الدراماتورج .

فالدراماتورج هو الشريك الفكري في صناعة العرض المسرحي وهو المرافق النص منذ مراحله الأولى يعمل مع المؤلف والمخرج على تفكيك بنيته ، واستكشاف أبعاده الفكرية والجمالية ، وربط عناصر العرض بعضها ببعض ، حتى تتحدث جميعها بلغة واحدة . فهو لا يكتب النص بالضرورة ، ولا يعتلي منصة الإخراج ، لكنه يؤدي دوراً لا يقل أهمية عنهما ، لأنه يحرس الفكرة من أن تضيع وسط زخم التفاصيل .

غير أن اختزال الدراماتورج في هذا التعريف وحده لا ينصفه . ففي تقديري لا تتمثل قيمته في المهام التي يؤديها ، بل في الأسئلة التي يطرحها . إنه أول من يسأل: لماذا يُروى هذا الحدث؟ وهل تخدم هذه الحركة المعنى؟ وهل سيغادر المتلقي القاعة وهو يحمل فكرة ، أم مجرد انبهار عابر؟ ومن هنا يبدو الدراماتورج أقرب إلى ضمير العرض المسرحي ذلك الصوت الهادئ الذي يذكر الجميع بأن المسرح لا يقاس بكثرة المؤثرات ، ولا بتعدد ألوان الإضاءات ، بل بأثر عميق ممتد يبقى حاضراً .

ولو قلنا إن المؤلف يزرع الفكرة ، والمخرج يمنحها صورتها ، فإن الدراماتورج يحرس روحها ونبضها وأثرها لأنه يوازن بين النص والرؤية الإخراجية ، ويقرأ العلاقة بين الأداء والسينوغرافيا والإيقاع ، ويعيد مساءلة كل عنصر حتى يظل المعنى حاضراً في قلب العرض ، لا على هامشه . ولهذا أصبح الدراماتورج في كثير من التجارب المسرحية العالمية شريكاً أصيلًا في صناعة العمل .

ولعل أهم ما يميز هذا الدور أنه لا يقرأ النص وحده ، بل يقرأ المتلقي أيضاً ، فهو يتأمل الكيفية التي يمكن استقبال الفكرة بها ، ويختبر قدرتها على إثارة التفكير ، ويحرص على ألا تنفصل اللغة البصرية عن الرسالة الفكرية . فالعرض المسرحي ليس مجموعة عناصر متجاورة فقط ، بل منظومة متكاملة ، يضعف أثرها إذا فقدت الرابط الذي يجمعها .

وفي المسرح السعودي ، الذي يشهد تطوراً متسارعاً على مستوى الإنتاج والرؤى الفنية ، يبدو الحديث عن الدراماتورج حديثاً عن فرصة أكثر منه حديثاً عن غياب أو حضور . فالمشهد يزداد نضجاً ، والاهتمام بهذا التخصص يتنامى عبر الندوات والنقاشات المهنية ، وهو ما يفتح الباب لترسيخ هذا الدور بوصفه أحد روافد جودة العرض ، وليس مجرد مسمى وظيفي .

ويمكن القول إن المسرح لا يُبنى على براعة التنفيذ وحدها ، وإنما على وضوح الفكرة التي يحملها . ووضوح الرسالة التي يريد وصولها للمتلقي وحين تمتلك كل صورة سبباً ، وكل حركة غاية ، وكل صمت معنى ، ندرك أن خلف العرض عقلاً ظل يراجع الأسئلة قبل أن يطمئن إلى الإجابات . عندها فقط ، لا يكون الدراماتورج حارساً للنص ، بل يمكن التأكيد على أنه حارس للمعنى ، وحين يُحرس المعنى ، يصبح المسرح أكثر قدرة على البقاء في الذاكرة من البقاء فوق الخشبة .

إعلامي ومسرحي

محمد مفرق

إعلامي ومسرحي سعودي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.