في ظلال المسرح

السينوغرافيا : اللغة التي يمكن رؤيتها

السينوغرافيا : اللغة التي يمكن رؤيتها

بقلم / أ.محمد مفرق

كان لجهود وزارة التعليم في حقبة زمنية مضت الدور الكبير في تأهيل عدد من المسرحيين السعوديين الذين كانوا يمارسون العمل التربوي والتعليمي من خلال تصميم برامج ودورات تدريبية خارج المملكة بالتعاون مع جهات ومؤسسات متخصصة في هذه المجالات ، وتشرفتُ أن كنت أحد هؤلاء المستفيدين من هذه الروزنامة التدريبية العظيمة .

كانت إحدى الدورات التخصصية التي شاركنا فيها أنا وعدد كبير من الزملاء من مختلف مناطق ومحافظات وطننا الغالي تتناول موضوع السينوغرافيا بل إن هذه الدورة كانت من أجود وأفضل وأكثر الدورات فائدة وهنا سأسلط الضوء في مقالي المتواضع على شيء من هذا الموضوع .
فالمسرح ليس مكاناً تُروى فيه الحكاية فحسب ، بل فضاء تتشكل فيه الحكاية بصرياً وسمعياً وحسياً . ومن هنا تأتي السينوغرافيا كواحدةً من أكثر المفاهيم المسرحية قدرةً على تحويل الخشبة من مساحة صامتة إلى كائن نابض بالدلالة ، فالمشهد لا يكتفي بأن يقول للمتفرج أين تحدث الحكاية ، بل يمكنه أن يهمس له : لماذا تحدث ؟ وماذا تخفي وراءها ؟
السينوغرافيا في جوهرها ليست ديكوراً جميلاً يوضع خلف الممثلفقظ ، ولا عملية تزيين للمكان المسرحي . إنها بناء متكامل للفضاء الذي تتحرك داخله الدراما ، تتآلف فيه الصورة والضوء واللون والصوت والملابس والإكسسوارات والحركة والفراغ ، لتشكل جميعها لغة موازية للغة النص .
قد يدخل الممثل إلى خشبة فارغة ، ومع ذلك لا تكون الخشبة فارغة بالمعنى الحقيقي فالفراغ نفسه يمكن أن يصبح علامة . أو مساحة واسعة قد توحي بالضياع ، أو ممر ضيق قد يخلق شعوراً بالاختناق ، وكرسي وحيد قد يصبح رمزاً للعزلة ، بينما يمكن لضوء ينحسر تدريجياً أن يقول ما تعجز عشرات الجمل عن قوله .
وهنا تكمن قوة السينوغرافيا: أنها لا تشرح المعنى، بل تصنعه.
فاللون، مثلاً ، ليس اختياراً جمالياً بريئاً دائماً قد يتحول إلى ذاكرة أو حالة نفسية أو إشارة خفية . والضوء لا يقتصر دوره على كشف الممثل للمتفرج ، بل يستطيع أن يعزل شخصية ، أو يوجه الانتباه ، أو يصنع زمناً ، أو يخلق تهديداً ، أو يمنح لحظة من الحميمية . وحتى الظل يمكن أن يصبح شخصيةً أخرى ، تكشف ما تحاول الشخصيات إخفاءه.
أما الصوت ، فهو يتجاوز حدود الموسيقى والمؤثرات فقد يكون الصمت ذاته عنصراً سينوغرافياً شديد القوة . لحظة صمت في المكان المناسب قد تكون أكثر امتلاء من ضجيج كامل ، لأنها تترك للمتفرج مهمة ملء الفراغ بما يحمله هو من توقعات وأسئلة وذكريات .
وهنا يصبح المتفرج جزءاً من المعادلة . فالسينوغرافيا لا تفرض صورتها كاملة عليه ، وإنما تمنحه إشارات يشارك في تفسيرها . وما يراه متفرج مكاناً للتهديد ، قد يراه آخر فضاء للحرية . ولذلك فإن الصورة المسرحية الناجحة ليست التي تقول كل شيء ، وإنما التي تترك مساحة لأن يفكر المتلقي فيما لم يتم قوله .
لكن الخطر يبدأ عندما تتحول السينوغرافيا إلى استعراض بصري منفصل عن روح العرض . قد تكون الخشبة مبهرة ، والألوان متقنة ، والإضاءة مذهلة ، والآليات التقنية متقدمة ، ومع ذلك يشعر المتفرج بأن كل هذا لا يقول شيئاً . الجمال وحده لا يصنع سينوغرافيا ، كما أن كثرة العناصر لا تعني عمق الرؤية .
السينوغرافيا الحقيقية تبدأ من السؤال : ماذا يجب أن يرى المتفرج كي يشعر بما لا يستطيع النص أن يقوله ؟
ومن هذا السؤال يولد الاختيار . لماذا هذا اللون ؟ لماذا هذا الفراغ ؟ لماذا هذه الإضاءة ؟ لماذا يتحرك هذا العنصر في هذه اللحظة ؟ ولماذا يبقى عنصر آخر ساكناً ؟ حين تصبح هذه الأسئلة جزءاً من عملية صناعة العرض ، تتحول السينوغرافيا من خلفية إلى شريكٍ في الكتابة وفي الحالة الإبداعية كلها .
ولعل أجمل ما في السينوغرافيا أنها تمنح المسرح قدرته القديمة والمتجددة على التفكير بالصورة . فالمسرح لا يعيش بالكلمات وحدها فأحياناً تكون صورة واحدة كافية لفتح باب طويل في ذهن المتفرج .
وفي نهاية العرض ، قد ينسى المتفرج بعض الجمل ، وربما تضيع منه تفاصيل الحوار ، لكنه يحتفظ بصورة مثل نافذة مفتوحة ، أو كرسي فارغ ، أو جسد معلق في الضوء ، أو طريق لا ينتهي ، أو خشبة تحولت فجأةً إلى ذاكرة .
عندها نكتشف أن السينوغرافيا لم تكن ما رأيناه على المسرح فقط ؛ بل ما بقي منه في أعيننا بعد أن غادرناه .

إعلامي ومسرحي

محمد مفرق

إعلامي ومسرحي سعودي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.