في زمن الخوارزميات

في زمن الخوارزميات
هل يفقد المسرح إنسانيته ؟؟
بقلم / محمد مفرق
لم يعد السؤال اليوم : هل سيدخل الذكاء الاصطناعي إلى المسرح؟ بل سيكون السؤال الأهم :
ماذا سيبقى من المسرح إذا أصبحت الآلة قادرة على محاكاة معظم عناصره؟ فالتقنيات الحديثة باتت تكتب النصوص ، وتقترح المعالجات الدرامية ، وتصمم السينوغرافيا ، وتؤلف الموسيقى، بل وتقرأ تفاعل الجمهور لحظة بلحظة . ومع كل هذا التقدم ، يظل السؤال الأهم أبعد من حدود التقنية : إنه سؤال عن الإنسان نفسه .
لقد نشأ المسرح، منذ الإغريق وحتى يومنا هذا ، بوصفه مساحة يواجه فيها الإنسان ذاته ، وليس بوصفه استعراضاً للإمكانات التقنية . لذلك فإن قيمة العرض المسرحي لا تُقاس بمدى إبهاره البصري فقط ، وإنما بقدرته على إيقاظ الأسئلة الكبرى في وجدان المتلقي .
هنا تحديداً يقف الذكاء الاصطناعي عند حدوده ، فهو قد يستطيع محاكاة الأنماط ، لكنه لا يختبر الألم ، ولا يعرف الخوف قبل إغلاق الستار، ولا يعيش تلك اللحظة الفريدة التي تتشكل فيها أبعاد النص وحالاته ولا يعيش الحالة التي يتشكل فيها المعنى بين الممثل والجمهور .
لذلك فالتحدي الحقيقي لا يتمثل في أن تحل الخوارزمية محل الفنان ، بل في أن يتحول الفنان نفسه إلى شخص يؤدي ما تقترحه وتطلبه منه ، الخوارزميات دون أن يضيف رؤيته أو تجربته الإنسانية أو تفاعله المباشر على الخشبة . فالمسرح لا يعيش بالبيانات ، وإنما بالدهشة ، ولا يزدهر بالدقة وحدها ، وإنما بالمخاطرة والإحساس والقدرة على ملامسة ما لا يُقال .
من هنا، ينبغي أن يُنظر إلى الذكاء الاصطناعي كشريك معرفي يوسع أفق الإبداع ، وليس مجرد وريث للمسرح . فكل تطور تقني يكتسب قيمته بقدر ما يعزز الإنسان ، وليس بقدر ما يستبدله.
سيبقى المسرح فناً عصياً على الاستنساخ ، لأن جوهره ليس النص فقط ، ولا الإضاءة فقط ، ولا المشهدية البصرية ، بل تلك العلاقة الإنسانية النادرة التي تتشكل لحظة التقاء الممثل الصادق بجمهوره والمُخرج بفكره . وما دامت هذه اللحظة ممكنة ، فإن الخشبة ستظل تنتصر للفنان وللنص وللسينوغرافيا وللإخراج ولكل العناصر المكونة للعرض بروح الفريق ، مهما بلغت الآلة من ذكاء .
إعلامي ومسرحي سعودي
