في ظلال المسرح

مسرحية البيدق .. تجربة صنعت ممثلاً

مسرحية البيدق .. تجربة صنعت ممثلاً

بقلم / محمد مفرق

ليست المونودراما مجرد عرضٍ يؤديه ممثل واحد، بل هي امتحان حقيقي لقدرة الفنان على أن يملأ الخشبة بالحياة دون أن يستند إلى شريك يسانده أو حوار يتقاسمه مع الآخرين . ومن خلال تجربتي في العرض المسرحي “البيدق”، من تأليف الأستاذ الكاتب المتألق يحيى العلكمي، وإخراج الأستاذ المبدع المتجدد أحمد السروي، وسينوغرافيا الأستاذ الأنيق متعب آل ثواب، وإدارة إنتاج الأستاذ المبدع حسن الغبيري، والتي تشرفنا بعرضها في مهرجان المسرح العربي للهواة بالقاهرة عام 2009، أدركت أن المونودراما ليست نوعاً مسرحياً فحسب، بل مدرسة كاملة في صناعة الممثل .

في تلك التجربة، لم يكن التحدي في حفظ النص أو الوقوف منفرداً على الخشبة ، بل في القدرة على الانتقال بين الحالات النفسية المتباينة التي فرضها النص . ففي لحظة يكون الممثل غاضباً ، ثم ينكسر، ثم يسخر، ثم يخاطب ذاته ، ثم يستدعي شخصيات غائبة لا يراها الجمهور إلا من خلال صوته وتعابير وجهه وحركته . وكل انتقال نفسي يجب أن يبدو صادقاً ومقنعاً، لأن أي اهتزاز في الإيقاع ينعكس مباشرة على تفاعل المتلقي .

تعلمت من “البيدق” أن ممثل المونودراما لا يؤدي شخصية واحدة، بل يحمل على عاتقه عالماً كاملاً من الشخصيات والمشاعر والصراعات، ويصبح صوته ولغة جسده وإيقاع أنفاسه أدواته الوحيدة لإبقاء الجمهور مشدوداً حتى إسدال الستار .

كما أيقنت أن هذا اللون المسرحي يتطلب تركيزاً ذهنياً استثنائياً، فالممثل لا يملك فرصة للاتكاء على زميل يعيد إليه الإيقاع إذا أخطأ ، ولا مجال للتشتت أو فقدان الحضور . إنه في مواجهة مباشرة مع الجمهور ، ومع نفسه أيضاً ، ولذلك فإن المونودراما تصنع ممثلاً أكثر وعياً بأدواته، وأكثر قدرة على السيطرة على تفاصيل الأداء.

وإذا كانت هذه التجربة قد أضافت لي شيئاً ، فهي أنها رسخت قناعتي بأن نجاح المونودراما لا يصنعه الممثل وحده، بل هو ثمرة تكامل بين نص راقٍ يمنح الممثل مساحة للتحليق ، ورؤية إخراجية مبهرة تدرك خصوصية هذا الفن، وسينوغرافيا ذكية تدعم الأداء دون أن تزاحمه، وإدارة إنتاج تؤمن بالعمل حتى يصل إلى الجمهور بالصورة التي يستحقها.

وما زلت، بعد أعوام من تلك المشاركة في القاهرة، أؤمن أن “البيدق” لم تكن مجرد عرض مسرحي شاركت فيه ، بل كانت تجربة صنعت جزءاً من شخصيتي الفنية ، وأكدت لي أن الممثل الحقيقي لا يقاس بعدد من يقفون معه على الخشبة ، وإنما بقدرته على أن يجعل جمهوراً كاملاً يعيش الحكاية وكأن المسرح يعج بعشرات الشخصيات، بينما لا يقف أمامهم سوى إنسان واحد يحمل روح المسرح بأكملها .

إعلامي ومسرحي سعودي

 

محمد مفرق

إعلامي ومسرحي سعودي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.