المسرح السعودي.. حين يصبح الرمز لغة

المسرح السعودي.. حين يصبح الرمز لغة
بقلم / أ.محمد مفرق
لم يعد المسرح في كثير من تجاربه المعاصرة ، ذلك المكان الذي نذهب إليه لنسمع حكاية تبدأ من نقطة وتنتهي عند أخرى . ثمة عروض اختارت طريقاً مختلفاً جعلت الضوء يتحدث ، والجسد يكتب ، والموسيقى تروي ، وتركت للرمز مهمة أن يقول ما قد تعجز عنه الكلمات . وهذا التحول يبدو حاضراً في جانب من التجربة المسرحية السعودية التي أخذت تبحث عن لغتها الفنية خارج حدود البناء التقليدي للعرض .
وهنا يبدو مصطلح «المسرح التجريبي» أكثر اتساعاً من وصف هذه العروض بالمسرح التجريدي فالتجريب ليس قالباً مسرحياً محدداً بقدر ما هو حالة بحث واكتشاف ، ومحاولة مستمرة لاختبار إمكانات الخشبة . ماذا لو تراجع الحوار ؟ ماذا لو أصبح الجسد جزءاً من النص ؟ وماذا لو تحول الكرسي أو الباب أو قطعة القماش من مجرد عنصر فوق الخشبة إلى علامة تحمل معنى آخر ؟
هذه الأسئلة هي التي تجعل مشاهدة العرض التجريبي مختلفة لأن المتفرج لا يتلقى المعنى جاهزاً ، وإنما يشارك في تكوينه . فالبحر فوق الخشبة ليس بالضرورة بحراً ، والنافذة قد لا تكون نافذة ، والظلام ليس دائماً غياباً للضوء . كل عنصر يمكن أن يغادر وظيفته الطبيعية ليكتسب وظيفة دلالية جديدة .
وفي المسرح السعودي ، أصبحت هذه اللغة أكثر حضوراً مع اتساع التجارب وتنوع الرؤى الإخراجية ، فأصبحت الخشبة مساحة تتجاور فيها لغات متعددة لغة الممثل ، ولغة الضوء ، ولغة الموسيقى ، ولغة التشكيل البصري ، حتى إن الصمت نفسه يمكن أن يتحول إلى جزء من بنية العرض .
وهنا تتغير وظيفة السينوغرافيا فهي لا تأتي لتجمل المكان أو تملأ فراغ الخشبة ، وإنما تدخل شريكاً في إنتاج المعنى . وقد تكفي قطعة واحدة في فضاء شبه خالٍ لتقول أكثر مما يقوله ديكور كامل ، إذا استطاع المخرج أن يمنحها وظيفة تتجاوز شكلها الظاهر . وكذلك الإضاءة فهي لا تساعدنا فقط على رؤية الممثل ، بل قد تخفيه عمداً ، أو تعزله ، أو تضيق العالم حوله ، لتصبح جزءاً من حالته النفسية ومن خطاب العرض نفسه .
والأمر ذاته ينطبق على جسد الممثل . فحين تتراجع سلطة الحوار ، يصبح الجسد أكثر مسؤولية عن التعبير ؛ طريقة الوقوف ، وتكرار الحركة ، والمسافة بين ممثل وآخر ، وحتى السكون ، يمكن أن تتحول جميعها إلى مفردات في لغة لا تحتاج دائماً إلى الكلمات .
لكن أكثر ما يستوقفني في هذا النوع من المسرح هو ما يفعله بالمتفرج ؛ إذ ينقله من موقع المتلقي الذي ينتظر الحكاية إلى شريك يبحث عن معناها . وهنا قد يخرج اثنان من العرض نفسه بقراءتين مختلفتين ، دون أن تكون إحداهما بالضرورة خاطئة فالرمز المسرحي الناجح لا يمنح المتلقي إجابة واحدة مغلقة ، وإنما يفتح أمامه مساحات للتأويل والتفكير .
ومن هنا ، فإن التجريب في المسرح لا يعني الغموض ، كما أن وضوح الحكاية لا يعني التقليدية . المسألة أبعد من ذلك فالتجريب الحقيقي – كما أراه – يبدأ عندما يبحث المسرحي عن طريقة أخرى لقول الفكرة ، لا عن طريقة لإخفائها .
وربما يكون هذا أحد التحولات الجميلة التي يعيشها المسرح السعودي اليوم؛ أن يصبح السؤال ليس فقط : ماذا سنقول فوق الخشبة ؟ بل : كيف سنقولهه ؟
فالخشبة التي ظلت زمناً مكاناً للكلمة ، أصبحت فضاء تتقاسم فيه عناصر العرض مسؤولية صناعة المعنى . وكلما قلّ اعتماد المسرح على الكلام ، ازدادت مسؤولية الضوء والجسد والصوت والفراغ عن قول ما لم يُقل .
وقد تسقط الكلمات من مشهد كامل ، ويبقى ممثل واقفاً تحت بقعة ضوء ، لا يقول شيئاً .
ومع ذلك، نفهم الكثير.
وهنا تحديداً يصبح الرمز لغة .
إعلامي ومسرحي